فصل: تفسير الآيات رقم (3- 4)

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: تفسير الثعالبي المسمى بـ «الجواهر الحسان في تفسير القرآن» ***


تفسير الآيات رقم ‏[‏93- 94‏]‏

‏{‏إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ ‏(‏93‏)‏ يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏94‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا السبيل عَلَى الذين يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه الآيةُ نزلَتْ في المنافقين المتقدِّم ذكْرُهُمْ‏:‏ عبدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ، والجَدُّ بْنُ قَيْسٍ، وَمُعَتِّبٌ، وغيرهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِذَا رَجَعْتُمْ‏}‏‏:‏ يريد‏:‏ مِنْ غزوةَ تَبُوكَ، ومعنَى‏:‏ ‏{‏لَن نُّؤْمِنَ لَكُمْ‏}‏‏:‏ لن نصدِّقكم، والإِشارة بقوله‏:‏ ‏{‏قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ‏}‏ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خلالكم‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 47‏]‏، ونحوه من الآيات‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ‏}‏‏:‏ توعُّد، والمعنى‏:‏ فيقع الجزاءُ عليه، قال الأستاذ أبو بَكْرٍ الطُّرْطُوشِيُّ‏:‏ اعمل للدنيا بقَدْر مُقَامِكَ فيها، واعمل للآخرة بقَدْر بقائك فيها، واستحيي مِنَ اللَّه تعالى بقَدْرِ قُرْبه منْكَ، وأَطِعْهُ بقَدْر حَاجَتِكَ إِليه، وخَفْهُ بقَدْر قُدْرته عليك، واعصه بِقَدْر صَبْرَكَ على النَّار‏.‏ انتهى‏.‏ من «سراج الملوك»‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏ثُمَّ تُرَدُّونَ‏}‏‏:‏ يريد البَعْثَ من القبور‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏95- 97‏]‏

‏{‏سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏95‏)‏ يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ ‏(‏96‏)‏ الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏97‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏سَيَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ إِذَا انقلبتم إِلَيْهِمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قيل‏:‏ إِن هذه الآية من أول ما نَزَلَ في شأن المنافقين في غزوة تَبُوكَ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهُمْ رِجْسٌ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ نَتَنٌ وقَذَر، وناهِيكَ بهذا الوَصْف مَحَطَّةً دنيويةً، ثم عطف بمحَطَّةِ الآخِرَةِ، فقال‏:‏ ‏{‏وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ‏}‏، أي‏:‏ مسكنهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَإِن تَرْضَوْاْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ إِلى آخر الآية‏:‏ شَرْطٌ يتضمَّن النهْيَ عن الرضا عنهم، وحُكْم هذه الآية يستمرُّ في كل مغموص عليه ببدْعَةٍ ونحوها‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏الأعراب أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا‏}‏‏:‏ هذه الآيةُ نزلَتْ في منافقين كانوا في البوادِي، ولا محالة أنَّ خوفهم هناك كان أقلَّ من خوف منافِقِي المدينة، فألسنتهم لذلك مُطْلَقَةٌ، ونفاقهم أنْجَمُ و‏{‏أجْدَرُ‏}‏‏:‏ معناه أحْرَى‏.‏

وقال * ص *‏:‏ معناه أحقُّ، والحُدُودُ هنا‏:‏ السُّنَن والأحْكَام‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏98‏]‏

‏{‏وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏98‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الأعراب مَن يَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ مَغْرَمًا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية نصٌّ في المنافقين منهم، و«الدوائر»‏:‏ المصائبُ، ويحتمل أن تشتقَّ من دَوَرَانِ الزمانِ، والمعنَى‏:‏ ينتظر بكم ما تأتي به الأيام، وتدُورُ به، ثم قال على جهة الدعاء‏:‏ ‏{‏عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السوء‏}‏، وكلُّ ما كان بلفظ دعاء من جهة اللَّه عزَّ وجلَّ، فإِنما هو بمعنى إِيجاب الشيْء؛ لأن اللَّه لا يَدْعُو على مخلوقاته، وهي في قبضته؛ ومن هذا ‏{‏وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ‏}‏ ‏[‏الهمزة‏:‏ 1‏]‏، ‏{‏وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ‏}‏ ‏[‏المطففين‏:‏ 1‏]‏، فهي كلُّها أحكام تامَّة تضمَّنها خبره تعالى‏.‏

* ت *‏:‏ وهذه قاعدةٌ جيِّدة، وما وقع له رحمه اللَّه مما ظاهره مخالفٌ لهذه القاعدة، وجب تأويله بما ذَكَرَه هنا، وقد وقَع له ذلك بعد هذا في قوله‏:‏ ‏{‏صَرَفَ الله قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 127‏]‏، قال‏:‏ يحتملُ أنْ يكون دعاءً عليهم، ويحتملُ أنْ يكون خبراً، أي‏:‏ استوجبوا ذلك، وقد أوضَحَ ذلك عند قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قُتِلَ أصحاب الأخدود‏}‏ ‏[‏البروج‏:‏ 4‏]‏، فانظره هناك‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏99- 100‏]‏

‏{‏وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏99‏)‏ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏100‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمِنَ الأعراب مَن يُؤْمِنُ بالله‏}‏ قال قتادة‏:‏ هذه ثنية اللَّه تعالى من الأعراب، وروي أنَّ هذه الآيةَ نزلَتْ في بني مُقَرِّن؛ وقاله مجاهد ‏{‏وَيَتَّخِذُ‏}‏؛ في الآيتين بمعنَى‏:‏ يَجْعَلُهُ قَصْدَهُ، والمعنى‏:‏ ينوي بنفقته ما ذَكَره اللَّه عنهم، و‏{‏صلوات الرسول‏}‏‏:‏ دعاؤه، ففي دعائه خَيْرُ الدنيا والآخرة، والضَّمير في قوله‏:‏ ‏{‏إِنَّهَا‏}‏‏:‏ يحتملُ عودُهُ على النفَقَةِ، ويحتمل عوده على الصَّلوات، وباقي الآية بَيِّن‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والسابقون الأولون مِنَ المهاجرين والأنصار‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال أبو موسى الأشعريُّ وغيره‏:‏ السابقون الأولون مَنْ صلى القبلتين، وقال عطاء‏:‏ هم مَنْ شهد بدراً‏.‏

وقال الشَّعْبيُّ‏:‏ من أدرك بَيْعَة الرِّضْوان، ‏{‏والذين اتبعوهم بِإِحْسَانٍ‏}‏‏:‏ يريد‏:‏ سائر الصحابة، ويدخل في هذا اللفظِ‏:‏ التابِعُونَ وسائرُ الأمة، لكن بشريطة الإِحسان، وقرأ عمر بن الخطَّاب وجماعة‏:‏ و«الأَنْصَارُ»- بالرفع-؛ عطفاً على «والسابقون»، وقرأ ابن كثير‏:‏ «مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ»، وقرأ الباقون‏:‏ «تَحْتَها»، بإِسقاط «مِنْ»‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏101‏]‏

‏{‏وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُمْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَابٍ عَظِيمٍ ‏(‏101‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأعراب منافقون وَمِنْ أَهْلِ المدينة مَرَدُواْ عَلَى النفاق‏}‏‏:‏ الإِشارة ب «مَنْ حولكم» إِلى جُهَيْنة، ومُزَيْنة، وأَسْلَم، وغِفَار، وعُصَيَّة، ولِحيان، وغيرهم مِنَ القبائل المجاورة للمدينة، فأخبر اللَّه سبحانه عن منافقيهم، وتقدير الآية‏:‏ ومن أهْل المدينة قومٌ أو منافقُون، هذا أحسنُ ما حُمِلَ اللفظ، ‏{‏مَرَدُواْ‏}‏‏:‏ قال أبو عُبَيْدة معناه‏:‏ مَرَنُوا عَلَيْه، ولَجُّوا فيه، وقيل غير هذا ممَّا هو قريبٌ منه‏.‏

وقال ابن زَيْد‏:‏ قاموا عليه، لَمْ يَتُوبوا؛ كما تاب الآخَرُون، والظاهر مِنَ اللفظة أنَّ التمرُّد في الشيء أو المُرُود عليه إِنما هو اللَّجَاج والاشتهار به، والعتوُّ على الزاجر، ورُكُوبُ الرأسِ في ذلك، وهو مستعملٌ في الشر لا في الخَيْر؛ ومنه‏:‏ شَيْطَانٌ مَرِيدٌ وَمَارِدٌ، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه»‏:‏ ‏{‏المدينة مَرَدُواْ عَلَى النفاق‏}‏‏:‏ أي‏:‏ استمروا عليه، وتحقَّقوا به‏.‏ انتهى، ذكَره بعد قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الذين اتخذوا مَسْجِدًا ضِرَارًا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 107‏]‏‏.‏

ثم نفى عزَّ وجلَّ عِلْمَ نبيِّه لهم على التعْيين‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إلى عَذَابٍ عَظِيمٍ‏}‏‏:‏ لفظ الآية يقتضي ثَلاَثَ مواطِنَ مِنَ العَذَابِ، ولا خلافَ بين المتأوِّلين أن العذاب العظيم الذي يُرَدُّون إِليه هو عذابُ الآخرةِ، وأكثرُ النَّاس أن العذاب المتوسِّط هو عذاب القبْر، واختُلِفَ في عذاب المَرَّة الأولَى‏:‏ فقال ابنُ عبَّاس‏:‏ عذابهم بإِقامة حدود الشَّرْع عليهم، مع كراهيتهم فيه‏.‏

وقال أبو إسحاق‏:‏ عذابُهم‏:‏ هو هَمُّهم بظهورِ الإِسْلاَمِ، وَعُلُوِّ كَلِمَتِهِ‏.‏ وقال ابْنُ عباسٍ أيضاً- وهو الأشهر عنه-‏:‏ عذابُهم هو فَضِيحَتُهُمْ وَوَصْمُهُمْ بالنِّفَاقِ‏.‏ وقيل غيْرُ هَذَا‏.‏

وقَوْلُهُ عزَّ وجلَّ‏:‏

تفسير الآية رقم ‏[‏102‏]‏

‏{‏وَآَخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآَخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ ‏(‏102‏)‏‏}‏

‏{‏وَآخَرُونَ اعترفوا بِذُنُوبِهِمْ‏}‏ الآية‏.‏ قال ابْنُ عَبَّاسٍ، وأبو عُثْمَانَ‏:‏ هَذِهِ الآيَةُ في الأَعْرَابِ، وهي عامَّة في الأُمة إلى يَوْمِ القِيَامَةِ‏.‏ قال أبو عثمان‏:‏ ما في القرآن آيةٌ أرجى عندي لهذه الأمة منْها‏.‏ وقال مجاهد‏:‏ بَلْ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في أبي لُبَابَةَ الأنصاريِّ خاصَّةً في شأنه مع بني قُرَيْظَةَ لَمَّا أَشَارَ لَهُمْ إلى حَلْقِهِ، ثُمَّ نَدِمَ وَرَبَطَ نفسه في ساريَةٍ من سَوَارِي المَسْجِد، وقالتْ فرقة عظيمةٌ‏:‏ بل نزلَتْ هذه الآيةُ في شَأن المخلَّفين عن غزوة تَبُوك‏.‏

* ت *‏:‏ وخَرَّجَ «البخاريُّ» بسنده عن سَمُرة بن جنْدُبْ قالَ‏:‏ قال رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أَتَاني اللَّيْلَةَ آتِيَانِ، فابتعثاني فانتهينا إلى مَدِينَةٍ مَبْنِيَّةٍ بِلَبِنٍ ذَهَبٍ ولَبِنٍ فِضَّةٍ، فَتَلَقَّانَا رِجَالٌ شَطْرٌ مِنْ خَلْقِهِمْ كَأَحْسَن مَا أَنْتَ رَاءٍ‏.‏ وَشَطْرٌ كَأَقْبَح مَا أَنْتَ رَاءٍ، قَالاَ لَهُمْ‏:‏ اذهبوا فَقَعُوا فِي ذَلِكَ النَّهْرِ، فَوَقَعُوا فِيهِ، ثُم رَجَعُوا إِلَيْنَا قَدْ ذَهَبَ ذَلِكَ السُّوءُ عَنْهُمْ، فَصَارُوا في أَحْسَن صُورَةٍ، قَالاَ لِي‏:‏ هَذِهِ جَنَّةُ عَدْنٍ، وَهَذَاكَ مَنْزِلُكَ، قَالاَ‏:‏ أَمَّا القَوْمُ الَّذِينَ كَانُوا شَطْرٌ مِنْهُمْ حَسَنٌ وَشَطْرٌ مِنْهُمْ قَبِيحٌ خَلَطُوا عَمَلاً صَالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُمْ ‏"‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏103- 104‏]‏

‏{‏خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ‏(‏103‏)‏ أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏(‏104‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً‏.‏‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ رُوي أن الجماعة التائبة لَمَّا تِيبَ عليهَا، قالوا‏:‏ يا رسُولَ اللَّه؛ إِنَّا نُرِيدُ أن نتصدَّق بأموالنا زيادةً في تَوْبَتِنا، فقال لهم صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إِنِّي لاَ أَعْرِضُ لأَمْوَالِكُمْ إِلاَّ بَأَمْرٍ مِنَ اللَّهِ»، فَتَرَكَهُمْ حَتَّى نَزَلَتْ هذه الآية، فَهُمُ المرادُ بها، فَرُوِيَ أنه صلى الله عليه وسلم أخذ ثلث أموالِهِمْ، مراعاةً لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏مِنْ أموالهم‏}‏، فهذا هو الذي تظاهَرَتْ به أقوال المتأوِّلين، وقالتْ جماعة من الفقهاء‏:‏ المرادُ بهذهِ الآية الزكَاةُ المفروضَةُ، وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا‏}‏‏:‏ أحسن ما يحتمل أنْ تكون هذه الأفعالُ مسندة إلى ضمير النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَصَلِّ عَلَيْهِمْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ ادع لهم، فإِن في دعائك لهم سكوناً لأنفسهم وطمأنينة ووقاراً، فهي عبارةٌ عن صلاح المعتَقَد، والضميرُ في قولِهِ‏:‏ ‏{‏أَلَمْ يَعْلَمُواْ‏}‏ قال ابنُ زَيْدٍ‏:‏ يُرادُ به الذين لم يتوبوا من المتخلِّفين، ويحتملُ أنْ يُرَادِ به الذين تابوا، وقوله‏:‏ ‏{‏وَيَأْخُذُ الصدقات‏}‏ قال الزَّجَّاج‏:‏ معناه‏:‏ ويقبل الصدقات، وقد جاءَتْ أحاديثُ صحاحٌ في معنى الآية؛ منها حديثُ أبي هريرة‏:‏ ‏"‏ إِنَّ الصَّدَقَةَ قَدْ تَكُونُ قَدْرَ اللُّقْمَةِ يَأْخُذُهَا اللَّهُ بِيَمِينِهِ، فَيُرَبِّيهَا لأَحَدِكُمْ كَمَا يُرَبِّي أَحَدُكُمْ فَلْوَهُ أَوْ فَصِيلَهُ حَتَّى تَكُونَ مِثْلَ الجَبَلِ ‏"‏، ونحو هذا من الأحاديث التي هي عبارةٌ عن القبول والتحفِّي بصدقة العبد‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏عَنْ عِبَادِهِ‏}‏‏:‏ هي بمعنى «مِنْ»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏105- 110‏]‏

‏{‏وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏105‏)‏ وَآَخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏106‏)‏ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ ‏(‏107‏)‏ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ‏(‏108‏)‏ أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ‏(‏109‏)‏ لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ‏(‏110‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقُلِ اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ والمؤمنون وَسَتُرَدُّونَ إلى عالم الغيب والشهادة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، هذه الآية صيغتُها صيغةُ أمْرٍ مضمَّنها الوعيدُ‏.‏

وقال الطبري‏:‏ المراد بها الذين اعتذروا من المتخلِّفين وتابوا‏.‏

قال * ع *‏:‏ والظاهر أن المراد بها الذين اعتَذَروا، ولم يتوبوا وهم المتوعَّدون، وهم الذين في ضمير ‏{‏أَلَمْ يَعْلَمُواْ‏}‏، ومعنى‏:‏ ‏{‏فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ‏}‏، أي‏:‏ موجوداً معرَّضاً للجزاء عليه بخَيْرٍ أو بِشَرٍّ‏.‏

وقال ابنُ العرَبِيِّ في «أحكامه»‏:‏ قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَقُلِ اعملوا فَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ‏}‏ هذه الآية نزلَتْ بعد ذكر المؤمنين، ومعناها‏:‏ الأمر، أي‏:‏ اعملوا بما يُرْضِي اللَّه سبحانه، وأمَّا الآية المتقدِّمة، وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏قَدْ نَبَّأَنَا الله مِنْ أَخْبَارِكُمْ وَسَيَرَى الله عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 94‏]‏؛ فإنها نزلت بعد ذكْر المنافقين، ومعناها‏:‏ التهديد؛ وذلك لأن النفاق موضِعُ ترهيبٍ، والإيمانُ موضعُ ترغيبٍ، فقوبل أهْلُ كلِّ محلٍّ من الخطاب بما يليقُ بهم‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله‏}‏‏:‏ عَطْفٌ على قوله أولاً‏:‏ ‏{‏وَآخَرُونَ اعترفوا‏}‏‏:‏ ومعنى الإِرجاء‏:‏ التأخير، والمراد بهذه الآية فيما قال ابنُ عباس وجماعةٌ‏:‏ الثلاثةُ الذين خُلِّفوا، وهم كَعْبُ بْنُ مالكٍ، وصاحباه؛ على ما سيأتي إن شاء اللَّه، وقيل‏:‏ إِنما نَزلَتْ في غيرهم من المنافقين الذين كانوا مُعَرَّضين للتوبة مع بنائهم مَسْجِدَ الضِّرارِ، وعَلَى هذا‏:‏ يكون ‏{‏الذين اتخذوا‏}‏ بإسقاط واو العطف بدلاً من ‏{‏آخَرُونَ‏}‏، أو خبر مبتدأ، تقديره‏:‏ هم الذين، وقرأ عاصم وعوامُّ القُرَّاء، والنَّاسُ في كل قُطْرٍ إلاَّ ب «المدينة»‏:‏ ‏{‏والذين اتخذوا‏}‏، وقرأ أهلُ المدينة، نافع وغيرُهُ الَّذِينَ اتخذوا- بإسقاط الواو؛ على أنه مبتدأ، والخبر‏:‏ ‏{‏لاَ يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ‏}‏ وأما الجماعة المرادة ب ‏{‏الذين اتخذوا مَسْجِدًا‏}‏، فهم منافقو بني غَنْم بن عَوْف، وبني سَالمِ بنِ عَوْف، وأسند الطبريُّ، عن ابن إِسحاق، عن الزُّهْرِيِّ وغيره، أنه قال‏:‏ أَقْبَلَ النبيُّ صلى الله عليه وسلم من غزوة تَبُوكَ، حتى نَزَلَ بذي أَوَانَ- بلدٌ بينه وبين المدينةِ ساعةٌ من نهار- وكان أصحابُ مسجِدِ الضِّرَارِ، قد أَتَوهُ صلى الله عليه وسلم وهو يتجهَّز إِلى تبوكِ، فقالوا‏:‏ يا رسُولَ اللَّهِ؛ إنا قد بَنَيْنَا مسَجِداً؛ لِذِي العِلَّة والحاجة واللَّيْلَة المَطِيرة، وإِنا نُحِبُّ أَن تأتينا فتصلِّي لنا فيه، فقال‏:‏ «إِنِّي على جَنَاحِ سَفَرٍ، وَحَالِ شُغْلٍ، وَلَوْ قَدِمْنَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَتَيْنَاكُمْ، فَصَلَّيْنَا لَكُمْ فِيهِ»، فَلَمَّا قَفَلَ، وَنَزَلَ بِذِي أوَان، نَزَلَ عَلَيْهِ القُرْآنُ في شَأْنِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ، فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَالِكَ بْنَ الدُّخْشُنِ وَمَعْنَ بْنَ عَدِيٍّ، أو أخاهُ عاصِمَ بْنَ عَدِيٍّ، فَقالَ‏:‏ «انطلقا إِلَى هَذَا المَسْجِدِ الظَّالِمِ أَهْلُهُ، فاهدماه، وَحَرِّقَاهُ» فانطلقا مُسْرِعَيْنِ فَفَعَلاَ وَحَرَقَاهُ، وذكَرَ النَّقَّاشُ أَنَّ النَّبيَّ صلى الله عليه وسلم بعث لِهَدْمِهِ وتحريقه عَمَّار بن ياسر وَوَحْشِيًّا مَوْلَى المُطْعم بن عَدِيِّ، وكان بَانُوهُ اثني عَشَرَ رَجُلاً، منهم ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ، ومُعْتِّبُ بْنُ قُشَيْرٍ، ونَبْتَلُ بْنُ الحَارِثِ وغيرهم، وروي أنه لما بنى صلى الله عليه وسلم مَسْجداً في بني عمرو بن عوف وقْتَ الهِجْرَة، وهو مَسْجِدُ «قُبَاءٍ» وتشرَّفَ القومُ بذلك، حَسَدَهم حينئذٍ رجالٌ من بني عَمِّهم من بني غَنْم بْنِ عَوْفٍ، وبني سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ، وكان فيهم نفاقٌ، وكان موضعُ مَسْجِدِ «قُبَاءٍ» مربطاً لحمارِ امرأة من الأنصار، اسمها‏:‏ لَيَّةُ، فكان المنافقُونَ يقولُونَ‏:‏ واللَّه لا نَصْبِرُ على الصَّلاة في مَرْبَطِ حمارِ لَيَّةَ، ونحو هذا من الأقوال، وكان أبو عامرٍ المعروفُ بِالرَّاهِبِ منهم، وهو أبو حنظلة غسيلِ الملائكةِ، وكان سيِّداً من نظراء عبدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابن سَلُولَ، فلما جاء اللَّهُ بالإِسلام، نافق، ولم يَزَلْ مجاهراً بذلك، فسمَّاه رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم الفاسِق، ثم خرج في جماعة من المنافقينَ، فَحَزَّبَ على النبيِّ صلى الله عليه وسلم الأحزاب، فلما ردَّهم اللَّه بغَيْظهم، أقام أبو عامر ب «مكة» مظهراً لعداوته، فلما فتح اللَّه «مكة»، هَرَبَ إِلى «الطائف»، فلما أسلم أهْلُ الطائف، خرج هارباً إِلى الشام، يريد قَيْصَرَ مستنصراً به عَلى رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وكتب إلى المنافقين من قومه أَن ابنوا مسجداً، مقاومةً لمسجد «قُبَاء»، وتحقيراً له، فإِني سآتي بِجَيْشٍ من الرومِ، أُخْرِجُ به محمَّداً، وأصحابه من «المدينة»، فبَنُوهُ وقالوا‏:‏ سيأتي أبو عامرٍ ويصلي فيه، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ‏}‏ يعني‏:‏ أبا عامر، وَقَوْلَهُمْ‏:‏ سيأتي أبو عامر، وقوله‏:‏ ‏{‏ضِرَارًا‏}‏ أي‏:‏ داعيةً للتضارُرِ من جماعتين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَتَفْرِيقًا بَيْنَ المؤمنين‏}‏‏:‏ يريدُ‏:‏ تفريقاً بين الجماعة التي كانَتْ تصلِّي في مسجد «قباء»، فإن مَنْ جاور مَسْجدهم كانوا يَصْرِفُونه إليه، وذلك داعيةٌ إلى صرفه عن الإِيمان، وقيل‏:‏ أراد بقوله‏:‏ ‏{‏بَيْنَ المؤمنين‏}‏ جماعةَ مسجدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وروي‏:‏ أنَّ مسجد الضِّرار، لَمَّا هدم وأُحرِق، اتخذ مزبَلَةً ترمى فيه الأقذار والقِمَامَات، وروي‏:‏ أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم لما نزلَتْ‏:‏ ‏{‏لاَ تَقُمْ فِيهِ أَبَداً‏}‏ كَانَ لا يمرُّ بالطريق التي هو فيها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لَّمَسْجِدٌ‏}‏‏:‏ قيل‏:‏ إن اللام لام قسمٍ، وقيل‏:‏ هي لام ابتداء، كما تقول‏:‏ لَزَيدٌ أَحْسَنُ النَّاسِ فِعْلاً وهي مقتضية تأكيداً، وذهب ابن عباس وفرقةٌ من الصحابة والتَّابعين إلى أنَّ المراد ب «مسجد أسس على التقوى»‏:‏ مسجد «قباء» وروي عن ابن عمر وأبي سعيد وزَيْد بنِ ثابت؛ أنه مسجدُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم ويليق القولُ الأول بالقصَّة إِلاَّ أن القولَ الثانيَ مرويٌّ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم ولا نَظَرَ مع الحديثِ، قال ابنُ العَرَبي في «أحكامه»‏:‏ وقد رَوَى ابْنُ وهْبٍ وأشهبُ، عن مالكٍ؛ أن المراد ب «مسجد أُسس على التقوى»‏:‏ مسجدُ النبيِّ صلى الله عليه وسلم حيث قال اللَّه تباركَ وتعالَى‏:‏

‏{‏وَتَرَكُوكَ قَائِماً‏}‏ ‏[‏الجمعة‏:‏ 11‏]‏ وكذلك روى عنه ابن القاسم، وقد روى الترمذيُّ عن أبي سعيدٍ الخدريِّ، قال‏:‏ تمارى رَجُلاَن في المَسْجِدِ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التقوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ، فَقَالَ رَجُلٌ‏:‏ هُوَ مَسْجِدُ «قُبَاء»، وَقَالَ الآخَرُ‏:‏ هُوَ مَسْجِدُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «هُوَ مَسْجِدِي هَذَا»‏.‏ قَالَ أبو عيسى‏:‏ هذا حديثٌ صحيحٌ، وخرَّجه مسلم انتهى‏.‏

ومعنى‏:‏ ‏{‏أَن تَقُومَ فِيهِ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ بصلاتك وعبادتك‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُواْ‏}‏ اختلف في الضمير أيضاً، هل يعودُ على مسجدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم أو على مسجد «قُبَاءَ»‏؟‏ روي أن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ‏:‏ ‏"‏ «يَا مَعْشَرَ الأَنْصَارِ، إِنِّي رَأَيْتُ اللَّهُ أَثْنَى عَلَيْكُمْ بالطُّهُورِ، فَمَاذَا تَفْعَلُونَ‏؟‏» قَالُوا‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا رَأَيْنَا جِيرَانَنَا مِنَ اليَهُودِ يَتَطَهَّرُونَ بِالمَاءِ يُرِيدُونَ الاستنجاء، فَفَعَلْنَا نَحْنُ ذَلِكَ، فَلَمَّا جَاءَ الإِسْلاَمُ، لَمْ نَدَعْهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «فَلاَ تَدَعُوهُ إِذَنْ ‏"‏‏.‏ والبنيانُ الذي أُسِّس على شفا جُرُفٍ‏:‏ هو مسجدُ الضِّرار؛ بإِجماع، و«الشَّفَا»‏:‏ الحاشية والشَّفيرُ، و‏{‏هَارٍ‏}‏‏:‏ معناه مُتهدِّمٌ بالٍ، وهو من‏:‏ هَارَ يَهُورُ؛ البخاريُّ‏:‏ هَارَ هَائِرٌ تَهَوَّرَتِ البِئْرُ، إِذا تهدَّمت وانهارت مثله‏.‏ انتهى‏.‏

وتأسيسُ البناء علَى تقوى؛ إِنما هو بحُسْن النية فيه وقَصْدِ وجه اللَّه تعالى، وإِظهارِ شرعه؛ كما صنع في مَسْجِدِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وفي مسجدِ «قُبَاء»، والتأسيسُ على شفا جُرُفٍ هَارٍ إِنما هو بفسَاد النيَّة وقصدِ الرياءِ، والتفريقِ بَيْنَ المؤمنين، فهذه تشبيهاتٌ صحيحةٌ بارعةٌ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ‏}‏‏:‏ الظاهر منه أَنَّه خارجٌ مَخْرَجَ المَثَلِ، وقيل‏:‏ بل ذلك حقيقة، وأن ذلك المَسْجِدَ بعينه انهار في نَارِ جَهَنَّم؛ قاله قتادةُ وابْنُ جُرَيْج، وروي عن جابِرِ بنِ عبدِ اللَّهِ وغيره؛ أنه قال‏:‏ رَأَيْتُ الدُّخَانَ يَخْرُجُ منه علَى عهد رسولُ اللَّه صلى الله عليه وسلم، وروي في بَعْضِ الكُتُبِ؛ أنَّ رَسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم رَآهُ حين انهار بَلَغَ الأَرض السابعة، فَفَزِعَ لذلك صلى الله عليه وسلم، وروي أنهم لم يُصلُّوا فيه أكْثَرَ من ثلاثةِ أيامٍ، وهذا كلُّه بإِسناد لَيِّنٍ، واللَّه أعلم، وأسند الطبريُّ عن خلفِ بْنِ ياسِين، أنه قَالَ‏:‏ رَأَيْتُ مسْجِدَ المنافقينَ الذي ذَكَرَه اللَّه في القرآن، فَرَأَيْتُ فيه مكاناً يخرجُ منه الدُّخَان وذلك في زَمَن أبي جَعْفَرٍ المنصورِ، وروي شبيه بهذا أو نحوه عَن ابن جُرَيْج‏:‏ أسنده الطبري‏.‏

قال ابن العربيِّ في «أحكامه» وفي قوله تعالَى‏:‏ ‏{‏فانهار بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ‏}‏، مع قوله‏:‏ ‏{‏فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ‏}‏ ‏[‏القارعة‏:‏ 9‏]‏ إِشَارَةٌ إِلَى أَن النار تَحْتُ؛ كما أن الجَنَّةَ فَوْقُ‏.‏ انتهى‏.‏

والرِّيبة‏:‏ الشَّكُّ، وقد يسمى ريبةً فسادُ المعتقدِ، ومعنى الرِّيبةِ، في هذه الآية‏:‏ أمرٌ يعمُّ الغيظَ والحَنَقَ، ويعمُّ اعتقاد صَوَابِ فعْلهم ونحو هذا ممَّا يُؤدِّي كلُّه إِلى الارتياب في الإِسلامِ، فمقصدُ الكلام‏:‏ لا يَزَالُ هذا البنيانُ الذي هُدِّم لهم، يُبْقِي في قلوبهم حَزَازَةً وأَثَرَ سُوءٍ، وبالشكِّ فسَّر ابن عباس الريبةَ هنا‏.‏

وبالجملة إِن الريبة هنا تعمُّ معانيَ كثيرةً يأخذ كلُّ منافق منها بحَسَب قَدْره من النِّفاق‏.‏

وقوله‏:‏ «أَلا أَنْ تُقطَّع قلوبهم»- بضم التاء- يعني‏:‏ بالموت، قاله ابن عباس وغيره وفي مُصْحَف أُبَيٍّ‏:‏ «حَتَّى المَمَاتِ»، وفيه‏:‏ «حَتَّى تُقَطَّع»‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏111- 112‏]‏

‏{‏إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآَنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ‏(‏111‏)‏ التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآَمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ ‏(‏112‏)‏‏}‏

وقوله عزَّ وجلَ‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه الآيةُ نزلَتْ في البَيْعة الثالثة، وهي بيعةُ العَقَبة الكُبْرَى، وهي التي أَنَافَ فيها رجالُ الأنصار على السبعين؛ وذلك أنهم اجتمعوا مع النبيِّ صلى الله عليه وسلم عند العقبة، فقالوا‏:‏ اشترط لك، وَلَرَبِّكَ، والمتكلِّمُ بذلك عبدُ اللَّه بْنُ رَوَاحَة فاشترط نبيُّ اللَّه حمايته ممَّا يحمُونَ منه أنفسهم، واشترط لربِّهِ التزام الشريعةِ، وقِتَالَ الأَحمَرِ والأَسْوَدِ في الدَّفْع عن الحَوْزَة، فقالوا‏:‏ مَا لَنَا عَلَى ذَلِكَ، يَا نَبِيَّ اللَّهِ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ الجَنَّةُ، فَقَالُوا‏:‏ نَعَمْ، رَبحَ البَيْعُ، لاَ تَقِيلُ وَلاَ تُقَالُ»، وفي بعض الرواياتِ‏:‏ «وَلاَ نَسْتَقِيلُ» فنزلَتِ الآية في ذلك‏.‏

وهكذا نقله ابن العربيِّ في «أحكامه»، عن عبد اللَّه بن رَوَاحَة، ثم ذكر من طريق الشعبيِّ، عن أبي أمامة أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ نحو كلام ابنِ رَوَاحَةَ‏.‏

قال ابن العربيِّ‏:‏ وهذا وإن كان سنده مقطوعاً، فإن معناه ثابتٌ مِنْ طرق‏.‏ انتهى‏.‏

ثم الآية بَعْدَ ذلك عامَّة في كلِّ من جَاهَدَ في سبيلِ اللَّهِ مِنْ أمة نبيِّنا محمد صلى الله عليه وسلم إلى يوم القيامة، قال بعضُ العلماء‏:‏ مَا مِنْ مُسْلِم إلا وللَّه في عُنُقِهِ هذه البَيْعَةُ، وفى بِهَا أو لم يَفِ، وفي الحديث‏:‏ ‏"‏ إِنَّ فَوْقَ كُلِّ بِرٍّ بِرًّا حَتَّى يَبْذُلَ العَبْدُ دَمَهُ، فَإِذَا فَعَلَ، فَلاَ بِرَّ فَوْقَ ذَلِكَ ‏"‏ وأسند الطبريُّ عن كثير من أهْلِ العِلْم؛ أنهم قالوا‏:‏ ثَامَنَ اللَّه تَعَالَى في هذه الآية عِبَادَهُ، فَأَغْلَى لهم؛ وقاله ابن عباس وغيره، وهذا تأويلُ الجمهور‏.‏

وقال ابن عُيَيْنَة‏:‏ معنى الآية‏:‏ اشترى منهم أنفسهم ألاَّ يُعْمِلُوهَا إلا في طاعته، وأموالَهُمْ أَلاَّ يُنْفِقُوها إِلاَّ في سبيله، فالآية علَى هذا‏:‏ أعمُّ من القَتْلِ في سبيل اللَّه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يقاتلون فِي سَبِيلِ الله‏}‏ على تأويل ابْنِ عُيَيْنة‏:‏ مقطوعٌ، ومستأنفٌ، وأما على تأويل الجمهور مِنْ أَنَّ الشراء والبَيْع إِنما هو مع المجاهدين، فهو في موضع الحال‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التوراة والإنجيل والقرآن‏}‏‏:‏ قال المفسِّرون‏:‏ يظهر من قوله‏:‏ ‏{‏فِي التوراة والإنجيل والقرآن‏}‏ أن كلَّ أُمَّة أُمِرَتْ بالجهاد، ووُعِدَتْ عليه‏.‏

قال * ع *‏:‏ ويحتملُ أَنَّ ميعاد أُمَّة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، تقدَّم ذكره في هذهِ الكُتُب، واللَّه أعلم‏.‏

قال * ص *‏:‏ وقوله‏:‏ ‏{‏فاستبشروا‏}‏‏:‏ ليس للطلب، بل بمعنى‏:‏ أَبْشِرُوا؛ كاستوقد، قال أبو عُمَرَ بْنُ عبد البِرِّ في كتابه المسمَّى ب «بهجة المَجَالِسِ»‏:‏ وروي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم أنه قَالَ‏:‏ ‏"‏ مَنْ وَعَدَهُ اللَّهُ عَلَى عَمَلٍ ثَوَاباً، فَهُوَ مُنْجِزٌ لَهُ مَا وَعَدَهُ، وَمَنْ أَوْعَدَهُ عَلَى عَمَلٍ عِقَاباً، فَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ‏"‏

وعن ابن عباس مثله‏.‏ انتهى‏.‏ وباقي الآية بَيِّن‏.‏

قال الفَخْر‏:‏ واعلم أَنَّ هذه الآية مشتملةٌ على أنواع من التأكيدات‏.‏

فأولها‏:‏ قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم‏}‏، فكون المشتَرِي هو اللَّه المقدَّس عن الكَذِبِ والحِيلَة مِنْ أَدَلِّ الدلائل على تأكيد هذا العَهْد‏.‏

والثاني‏:‏ أنه عبر عن إِيصال هذا الثواب بالبَيْعِ والشراءِ، وذلك حَقٌّ مُؤَكَد‏.‏

وثالثها‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَعْداً‏}‏، ووعد اللَّه حقٌّ‏.‏

ورابعها‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏عَلَيْهِ‏}‏، وكلمةُ عَلى للوجوب‏.‏

وخامسها‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏حَقّاً‏}‏، وهو تأكيد للتحقيق‏.‏

وسادسها‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏فِي التوراة والإنجيل والقرآن‏}‏، وذلك يجري مَجْرَى إِشهاد جميع الكُتُب الإِلهية، وجمِيعِ الأَنبياء والمُرْسلين عَلى هذه المبايعة‏.‏

وسابعها‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏وَمَنْ أوفى بِعَهْدِهِ مِنَ الله‏}‏، وهو غايةُ التأكيد‏.‏

وثامنها‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏فاستبشروا بِبَيْعِكُمُ الذي بَايَعْتُمْ بِهِ‏}‏، وهو أيضاً مبالغةٌ في التأكيد‏.‏

وتاسعها‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏وذلك هُوَ الفوز‏}‏‏.‏

وعاشرها‏:‏ قوله‏:‏ ‏{‏العظيم‏}‏‏.‏

فثبت اشتمال هذه الآية على هذه الوجوهِ العَشَرةِ في التأكيدِ والتقريرِ والتحقيق‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏التائبون العابدون‏}‏، إلى قوله‏:‏ ‏{‏وَبَشِّرِ المؤمنين‏}‏، هذه الأوصافُ هي مِنْ صفات المؤمنين الذين ذكر اللَّه أنَّه اشترى منهم أنفُسَهُمْ وأموالهم، ومعنى الآية، على ما تقتضيه أقوالُ العلماء والشَّرْعُ‏:‏ أنها أوصافُ الكَمَلَةِ من المؤمنين، ذكرها سبحانه، لِيَسْتَبِقَ إِليها أهْلُ التوحيد؛ حتى يكُونوا في أعْلَى رتبةٍ، والآية الأولى مستقلَّة بنفسها، يقع تَحْتَ تلك المبايعة كلُّ موحِّد قاتَلَ في سبيل اللَّهِ، لتكونَ كلمة اللَّه هي العليا، وإِنْ لم يتَّصفْ بهذه الصفات التي في هذه الآية الثانية أو بأكثرها، وقالَتْ فرقةٌ‏:‏ بل هذه الصفاتُ جاءت علَى جهة الشَّرْط، والآيتان مرتبطتان، فلا يَدْخُلُ في المبايعة إِلا المؤْمِنُونَ الذين هُمْ عَلى هذه الأوصاف، وهذا تحريجٌ وتضييقٌ، والأول أصوبُ، واللَّه أعلم‏.‏

والشهادة ماحيةٌ لكلِّ ذنب إلا لمظالِمِ العِبَادِ، وقد روي أن اللَّه عِزَّ وجلَّ يحمل على الشَّهِيدِ مَظَالِمَ العبادِ، ويجازِيهِمْ عنه، خَتَمَ اللَّهُ لَنَا بالحسنَى‏.‏

و ‏{‏السائحون‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ الصائمون، وروي عن عائشة، أَنها قالَتْ‏:‏ سِيَاحَةُ هَذِهِ الأُمَّةِ الصِّيَام؛ أسنده الطبريُّ، وروي أنه من كلامِ النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏.‏

قَالَ الفَخْر‏:‏ ولما كان أصل السياحة الاستمرار على الذَّهاب في الأرض، سُمِّي الصائم سائحاً؛ لاستمراره على فِعْل الطاعة وترك المَنْهِيِّ عنه مِنْ المفطِّرات‏.‏

قال الفَخْر‏:‏ عندي فيه وجْهٌ آخر، وهو أن الإِنسان إذا امتنع مِنَ الأَكل والشُّرب والوِقاع، وسَدَّ عَلَى نفسه بَابَ الشهواتِ، انفتحت له أبوابُ الحكمةُ وتجَلَّتْ له أنوار عالَمِ الجَلالِ؛ ولذلك قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «مَنْ أَخْلَصَ للَّهِ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً، ظَهَرَتْ يَنَابِيعُ الحِكْمَةِ مِنْ قَلْبِهِ عَلَى لِسَانِهِ فَيَصير من السائحين في عالَمِ جلالِ اللَّه المنتقلينِ مِنْ مقامٍ إلى مقام، ومن درجةٍ إلى درجةٍ» انتهى‏.‏

قال * ع *‏:‏ وقال بعضُ النَّاس، وهو في كتاب النَّقَّاش‏:‏ ‏{‏السائحون‏}‏‏:‏ هم الجائلون بأفكارهم في قُدْرة اللَّه ومَلَكُوتهُ وهذا قولٌ حَسَن، وهو من أفضل العباداتِ، و‏{‏الراكعون الساجدون‏}‏‏:‏ هم المصلُّون الصَّلوات؛ كذا قال أهل العلم، ولكن لا يختلف في أنَّ من يكثر النَّوافلَ هو أَدْخَلُ في الاسم، وأَعْرَقُ في الاتصاف‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏والحافظون لِحُدُودِ الله‏}‏ لفظٌ عامٌّ تحته التزام الشريعة‏.‏

* ت *‏:‏ قال البخاريُّ‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ الحدود‏:‏ الطاعة‏.‏

قال ابن العربيُّ في «أحكامه»، وقوله‏:‏ ‏{‏والحافظون لِحُدُودِ الله‏}‏ خَاتمةُ البيان، وعمومُ الاشتمال لكلِّ أمْر ونهْي‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَبَشِّرِ المؤمنين‏}‏‏:‏ قِيل‏:‏ هو لفظ عامٌّ، أُمِرَ صلى الله عليه وسلم أَنْ يبشِّر أمته جميعاً بالخير من اللَّه، وقيل‏:‏ بل هذه الألفاظ خاصَّة لمن لم يَغْزُ، أي‏:‏ لما تقدَّم في الآية وعْدُ المجاهدين وفَضْلُهم، أمر صلى الله عليه وسلم، أنْ يبشِّر سائر المؤمنين ممَّن لم يَغْزُ بأنَّ الإيمان مُخَلِّص من النَّار، والحمد للَّه رب العالمين‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏113- 116‏]‏

‏{‏مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ ‏(‏113‏)‏ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ ‏(‏114‏)‏ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ‏(‏115‏)‏ إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ ‏(‏116‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ والذين آمَنُواْ أَن يَسْتَغْفِرُواْ لِلْمُشْرِكِينَ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ جمهورُ المفسِّرين أنَّ هذه الآية نزلَتْ في شَأْن أبي طالب، وذلك أن رسُول اللَّه صلى الله عليه وسلم دَخَلَ عَلَيْهِ حين احتضر، فَوَعَظَهُ، وقَالَ‏:‏ «أَيْ عَمِّ؛ قُلْ لاَ إله إِلاَّ اللَّهُ كَلِمَةً أُحَاجُّ لَكَ بِهَا عِنْدَ اللَّهِ»، وَكَانَ بالحَضْرة أَبو جَهْلٍ وَعَبْدُ اللَّه بْنُ أَبِي أُمَيَّةَ، فَقالا لَهُ‏:‏ يَا أَبَا طَالِبٍ؛ أَترغَبُ عن ملَّة عَبْدِ المطَّلِبِ‏؟‏ فَقالَ أبو طَالِبٍ‏:‏ يَا مُحَمَّدُ، وَاللَّهِ، لَوْلاَ أَنِّي أَخَافُ أَنْ يُعَيَّرَ بِهَا وَلَدِي مِنْ بَعْدِي، لأَقْرَرْتُ بِهَا عَيْنَكَ، ثُمَّ قَالَ‏:‏ هُوَ عَلَى مِلَّةِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَمَاتَ عَلَى ذَلِكَ؛ إذ لم يسمع منه صلى الله عليه وسلم ما قال العبَّاس، فنزلَتْ ‏{‏إِنَّكَ لاَ تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ‏}‏ ‏[‏القصص‏:‏ 56‏]‏ فقال رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «وَاللَّهِ، لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ»، فَكَانَ يستغفر له حَتَّى نَزَلَتْ هذه الآية، فترك نبيُّ اللَّه الاستغفار لأَبي طالب، وروي أنَّ المؤمنين لما رأَوْا نبيَّ اللَّه يستغفرُ لأبي طالب، جعلوا يَسْتَغْفِرُونَ لموتاهم، فلذلك دَخَلُوا في النَّهْيِ، والآية على هذا ناسخةٌ لفعله صلى الله عليه وسلم؛ إِذ أفعاله في حُكْم الشرعِ المستقِرِّ، وقال ابن عبَّاس وقتادة وغيرهما‏:‏ إِنما نزلَتِ الآية بسببِ جماعةٍ من المؤمنين قالوا‏:‏ نَسْتَغْفِرُ لموتانا؛ كما استغفر إِبراهيمُ عليه السلام، فنزلَتِ الآية في ذلك، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ استغفار إبراهيم لأَبِيهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ المعنى‏:‏ لا حجَّة أَيُّها المؤمنون في استغفار إِبراهيم عليه السلام، فإِن ذلك لم يكُنْ إِلا عن موعدةٍ، واختلف في ذلك، فقيلَ‏:‏ عن مَوْعِدَةٍ من إِبراهيم، وذلك قوله‏:‏ ‏{‏سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيّاً‏}‏ ‏[‏مريم‏:‏ 47‏]‏ وقيل‏:‏ عن موعِدَةٍ من أبيه له في أنَّهُ سيؤمن، فَقَوِيَ طمعه، فحمله ذلك على الاستغفار له؛ حتى نُهِيَ عنه، ومَوْعِدَة مِنَ الوَعْدِ، وأما تبيُّنه أنه عَدُوٌّ للَّه، قيل‏:‏ ذلك بموت آزر على الكُفْر، وقيل‏:‏ ذلك بأنه نُهِيَ عنه، وهو حيٌّ، وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ إبراهيم لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ‏}‏ ثَنَاءٌ مِنَ اللَّه تعالَى على إِبراهيم، و«الأَوَّاهُ» معناهُ الخَائِفُ الذي يُكْثِرُ التَّأَوُّهَ مِنْ خَوفِ اللَّهِ عزَّ وجلَّ، والتَّأَوُّهُ‏:‏ التوجُّع الذي يَكْثُرُ حَتَّى ينطق الإِنسان معه ب «أَوَّهْ»؛ ومن هذا المعنَى قولُ المُثَقِّب العَبْدِي‏:‏ ‏[‏الوافر‏]‏

إِذَا مَا قُمْتُ أَرْحُلُهَا بِلَيْلٍ *** تَأَوَّهُ أَهَّةَ الرَّجُلِ الحَزِينِ

ويروى‏:‏ آهَة‏.‏

وروي أن إبراهيم عليه السلام كان يُسْمَعُ وَجِيبُ قَلْبِهِ من الخشية، كما تُسْمَعُ أَجنحة النُّسُور، وللمفسِّرين في «الأَوَّاه» عباراتٌ كلُّها ترجعُ إِلى ما ذكرتُه‏.‏

* ت *‏:‏ روى ابن المبارك في «رقائقه»، قال‏:‏ أخبرنا عبدُ الحميدِ بْنُ بَهْرَام، قال‏:‏ حدَّثنا شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ، قَالَ‏:‏ حَدَّثَني عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّاد، قَالَ‏:‏ ‏"‏ قَالَ رَجُلٌ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الأَوَّاهُ‏؟‏ قالَ‏:‏ «الأَوَّاهُ الخَاشِعُ الدَّعَّاءُ المُتَضَرِّعُ؛ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ‏:‏ ‏{‏إِنَّ إبراهيم لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ‏}‏» ‏"‏

انتهى‏.‏

و ‏{‏حَلِيمٌ‏}‏ مَعناه‏:‏ صابرٌ، محتملٌ، عظيمُ العَقْل، والحِلْمُ‏:‏ العقل‏.‏ وقوله سبحانَهُ‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ الله لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ معناه التأنيسُ للمؤمنين، وقيل‏:‏ إن بعضهم خَافَ عَلَى نَفْسِه مِنَ الاستغفار للمشْركين، فنزلت الآيةُ مُؤْنسة، أيْ‏:‏ ما كان اللَّه بَعْدَ أَنْ هدَى إِلى الإِسْلاَمِ، وأنقذ مِنَ النار لِيُحْبِطَ ذلك، ويضلَّ أهله؛ لمواقعتهم ذَنْباً لم يتقدَّم من اللَّه عنه نَهْيٌ، فأما إِذا بيَّن لهم ما يتَّقون من الأمورِ، ويتجنَّبون من الأشياء، فحينئذٍ مَنْ واقع شيئاً من ذلك بعد النَّهْيِ، استوجب العقوبة، وباقي الآية بَيِّنٌ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏117- 118‏]‏

‏{‏لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏117‏)‏ وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ‏(‏118‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لَقَد تَّابَ اللهُ على النبي والمهاجرين والأنصار‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ التوبةُ مِنَ اللَّه تعالَى هو رُجُوعه بعبده مِنْ حالة إِلى أَرفَعَ منها، فقد تكونُ في الأكثَرِ رُجُوعاً من حالة طاعةٍ إِلى أَكْمَلَ منها، وهذه توبته سبحانه في هذه الآيةِ عَلَى نبيِّه عليه السلام، وأما توبته على المهاجرين والأنصار، فمعرَّضةً لأنْ تكونَ مِنْ تقصير إلى طاعة وجِدٍّ في الغزو ونُصْرَةِ الدِّين، وأما توبته على الفريق الذي كاد يزيغ، فَرُجُوعٌ من حالة محطوطةٍ إلى حال غفران ورضاً؛ وقال الشيخ أبو الحَسَن الشَّاذِلِيُّ رحمه اللَّه‏:‏ في هذه الآية ذَكَر اللَّه سبحانه تَوْبَةَ مَنْ لَمْ يُذْنِبْ لَئِلاَ يستوحِشَ مَنْ أذنب؛ لأنه ذكر النبيَّ صلى الله عليه وسلم والمهاجرين والأنصار ولم يذنبوا، ثم قال‏:‏ ‏{‏وَعَلَى الثلاثة الذين خُلِّفُواْ‏}‏، فذكر مَنْ لم يُذْنِبْ لِيُؤْنَسَ من قد أذنب، انتهى من «لطائف المِنَن»‏.‏

و ‏{‏سَاعَةِ العسرة‏}‏ يريد‏:‏ وقْت العسرة، والعُسْرة الشِّدَّةُ، وضيقُ الحَالِ، والعُدْمُ، وهذا هو جيشُ العُسْرة الذي قال فيه صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ مَنْ جَهَّزَ جَيْشَ الْعُسْرَةِ، فَلَهُ الجنة ‏"‏، فجهزه عثمانُ بْنُ عفَّان رضي اللَّه عنه بألْفِ جَمَلٍ، وألْف دينارٍ، وجاء أيضاً رجلٌ من الأنصار بِسَبْعِمَائَةِ وَسْقٍ مِنْ تَمْر، وهذه غزوةُ تبوكَ‏.‏

* ت *‏:‏ وعن ابن عَبَّاس؛ أنَّه قيل لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّاب‏:‏ حدِّثنا عن شأنِ سَاعَةِ العُسْرَة، فقال عمر‏:‏ خَرَجْنَا إلى تبوكَ في قَيْظٍ شديدٍ، فنزلْنا منزلاً أصابنا فيه عَطَشٌ، حتى ظَنَنَّا أَنَّ رقابنا سَتَنْقَطِعُ حتى إنَّ الرجُلَ لَيَنْحَرُ بعيره، فَيَعْصِرُ فَرْثَهُ فيشربه، ثم يَجْعَلُ ما بقي عَلَى كَبِدِهِ، فقال أبو بكر‏:‏ يا رَسُولَ اللَّهِ؛ إِنَّ اللَّه قد عَوَّدَكَ في الدعاءِ خيراً، فادع اللَّهَ، فَقَالَ‏:‏ «أَتُحِبُّ ذلكَ‏؟‏» قَالَ‏:‏ نَعَمْ، فَرَفَعَ يَدَيْهِ، فلم يَرْجِعْهما حتَّى مالَتِ السماء، فَأَظلَّتْ، ثم سَكَبَتْ فملؤوا ما معهم، ثم ذهبْنا ننظر، فلم نجدْها جاوَزَتِ العَسْكَر، رواه الحاكم في «مستدركه على الصحيحين»، وقال‏:‏ صحيحٌ على شرط الشَّيْخَيْن، يعني‏:‏ مسلماً والبخاريَّ انتهى في «السلاح»، ووصَل النبيُّ صلى الله عليه وسلم في غزوة تَبُوكَ إِلى أوائلِ بلد العَدُوِّ فصالحه أَهْلُ أذرح وأَيْلَةَ وغيرهما على الجِزْية ونحوها، وانصرف، والزيغ المذْكُور هو ما هَمَّت به طائفةٌ من الانصراف؛ لِمَا لَقُوا من المشقَّة والعُسْرة‏.‏ قاله الحسن‏.‏

وقيل‏:‏ زيغها إِنما كان بظُنُونٍ لها ساءَتْ في معنى عزم النبيِّ صلى الله عليه وسلم على تلك الغزوة، لما رأته من شدَّة الحال وقوَّة العدوِّ والمقصود، ثم أخبر عزَّ وجلَّ؛ أنه تاب أيضاً على هذا الفريقِ، وراجَعَ به، وأنس بإِعلامه للأمَّة بأنه رؤوفٌ رحيمٌ، والثلاثة الذين خُلِّفوا هم كعْبُ بن مالِكٍ وهلال بن أمية الوَاقفيُّ ومُرَارَةُ بنُ الرَّبيع العامريُّ، وقد خرَّج حديثهم بكماله البخاريُّ ومسلم، وهو في السِّير؛ فلذلك اختصرنا سَوْقَهُ، وهم الذين تقدَّم فيهم‏:‏

‏{‏وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ الله‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 106‏]‏، ومعنى ‏{‏خُلِّفُواْ‏}‏ أُخِّروا، وتُرِكَ النظرُ في أمرهم، قال كَعْب‏:‏ وليس بتخلُّفنا عَنِ الغَزْوِ، وهو بَيِّنٌ من لفظ الآية‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَظَنُّواْ أَن لاَّ مَلْجَأَ مِنَ الله إِلاَّ إِلَيْهِ‏}‏، ‏{‏ظَنُّواْ‏}‏؛ هنا بمعنى‏:‏ أيقنوا، قال الشيخُ ابْنُ أبي جَمْرة رحمه اللَّه‏:‏ قال بعضُ أهْل التوفيق‏:‏ «إِذا نزلَتْ بي نازلةٌ مَا مِنْ أي نوع كانَتْ، فَأُلْهِمْتُ فيها اللَّجَأَ، فلا أبالي بها، واللَّجَأُ على وجوه؛ منها‏:‏ الاشتغال بالذِّكْرِ والتعبُّدِ وتفويض الأمر له عزَّ وجلَّ، لقوله تعالى على لسان نبيه‏:‏ ‏"‏ مَنْ شَغَلَهُ ذِكْرِي عَنْ مَسْأَلتي أَعْطَيْتُهُ أَفْضَلَ مَا أُعْطِي السَّائلين ‏"‏، ومنها‏:‏ الصَّدَقة، ومنها‏:‏ الدعاء، فكيفَ بالمَجْمُوع‏.‏ انتهى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُواْ‏}‏ لما كان هذا القولُ في تعديد النعم، بدأ في ترتيبه بالجهَة الَّتي هي عَنِ اللَّه عز وجلَّ؛ ليكون ذلك مِنْها على تلقِّي النعمة مِنْ عنده لا رَبَّ غيره، ولو كان هذا القولُ في تعديد ذَنْبٍ، لكان الابتداء بالجهة التي هِيَ على المُذْنِب، كما قال عز وجل‏:‏ ‏{‏فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ‏}‏ ‏[‏الصف‏:‏ 5‏]‏ ليكون ذلك أشدَّ تقريراً للذنْب عليهم، وهذا مِنْ فصاحة القُرآن وبديعِ نظمِهِ ومُعْجِزِ اتساقه‏.‏

وبيانُ هذه الآيةِ ومواقعِ ألفاظها إِنما يَكْمُلُ مع مطالعة حديثِ الثلاثة الذين خُلِّفوا في الكُتُب المذكورة، فَانظره، وإِنما عَظُم ذنبهم، واستحقوا عليه ذلك، لأن الشرع يطلبهم مِنَ الجِدِّ فيه بحَسَب منازلهم منه، وتقدُّمهم فيه؛ إِذ هم أُسْوة وحُجَّة للمنافقين، والطاعنين، إِذ كان كعْبٌ من أهْل العقبة، وصاحباه من أهْل بدر، وفي هذا ما يقتضي أَنَّ الرجُلَ العَالِمَ والمُقْتَدَى به أَقلُّ عذراً في السقوطِ مِنْ سواه، وكَتَب الأوزاعيُّ رحمه اللَّه إلى أبي جَعْفَرِ المنصورِ في آخر رسالةٍ‏:‏ واعلم أَنَّ قرابتك مِنْ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم لَنْ تَزِيدَ حَقَّ اللَّهِ عَلَيْكَ إِلاَّ عَظِماً، ولا طاعَتَهُ إِلا وجُوباً، ولا النَّاسَ فيما خَالَفَ ذلك مِنْكَ إِلاَّ إِنكاراً، والسلام‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏119- 121‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ ‏(‏119‏)‏ مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ ‏(‏120‏)‏ وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏121‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين آمَنُواْ اتقوا الله وَكُونُواْ مَعَ الصادقين‏}‏ هذا الأمر بالكوْن مع الصَّادقين حَسَنٌ بعد قصَّة الثلاثة حين نَفَعَهم الصِّدْق، وذَهَبَ بهم عَنْ منازل المنافقين، وكان ابنُ مسعودٍ يتأوَّل الآية في صِدْق الحديث، وإِليه نحا كَعْبُ بنُ مالك‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأعراب أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ الله‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية؛ هذه الآية معاتبةٌ للمؤمنين من أهل يَثْرِبَ وقبائل العرب المُجَاورة لها، على التخلُّف عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم في غزوةٍ، وقُوَّةُ الكلام تعطي الأمر بِصُحْبَتِهِ أَيْنَ ما توجَّه غازياً وبَذْلِ النفوس دونه، و«المخُمَصَة» مَفْعَلَةٌ من خُمُوص البَطْنِ، وهو ضُمُوره واستعير ذلك لحالة الجُوع، إِذ الخُمُوص ملازمٌ له، ومن ذلك قولُ الأَعْشَى‏:‏ ‏[‏الطويل

> *** تَبِيتُونَ في المَشْتى مِلاَءً بُطُونُكُمْ

وَجَارَاتُكُمْ غَرْثَى يَبِتْنَ خَمَائِصَا *** وقوله‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً‏}‏‏:‏ لفظٌ عامٌّ لقليلِ ما يصنعه المؤمنون بالكَفَرةِ- من أخْذ مالٍ، أو إِيراد هوانٍ- وكثيره و‏{‏نَّيْلاً‏}‏‏:‏ مصدر نَالَ يَنَالُ؛ وفي الحديث‏:‏ ‏"‏ مَا ازداد قومٌ مِنْ أَهْلِيهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بُعْداً إِلاَّ ازدادوا مِنَ اللَّهِ قُرْباً ‏"‏‏.‏ * ت *‏:‏ وروى أَبو داود في «سننه»، عن أبي مالكٍ الأشعريِّ، قالَ‏:‏ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ‏:‏ ‏"‏ مَنْ فَصَلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَمَاتَ، أَوْ قُتِلَ، فَهُوَ شَهِيدٌ، أَوْ وَقَصَهُ فَرَسُهُ أَوْ بَعِيرُهُ أَوْ لَدَغَتْهُ هَامَّةٌ، أَوْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ بِأَيِّ حَتْفٍ شَاءَ اللَّهُ فَإِنَّهُ شَهِيدٌ، وإِنَّ لَهُ الْجَنَّةَ ‏"‏، انتهى‏.‏

قال ابنُ العربي في «أحكامه»‏:‏ قَوْلُه عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلاَّ كُتِبَ لَهُمْ‏}‏‏:‏ يعني إِلاَّ كُتِبَ لهم ثوابُهُ، وكذلك قال في المجاهد‏:‏ «إِنَّ أَرْوَاثَ دَوَابِّهِ وأَبْوَالَهَا حَسَنَاتٌ له» وَكَذَلِكَ أَعطَى سبحانه لأَهْل العُذْر من الأجر ما أعطَى للقويِّ العاملِ بفضله، ففي الصحيح، بأن النبيَّ صلى الله عليه وسلم قال في هذه الغزوة بعينها‏:‏ «إِنَّ بِالمَدِينَةِ قَوْماً مَا سَلَكْتُمْ وَادِياً وَلاَ قَطَعْتُمْ شِعْباً إِلاَّ وَهُمْ مَعَكُمْ حَبَسَهُمُ العُذْرُ» انتهى‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏122‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ ‏(‏122‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ المؤمنون لِيَنفِرُواْ كَافَّةً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قالتْ فرقة‏:‏ إِن المؤمنين الذين كانوا بالبادية سكَّاناً ومبعوثين لتعليم الشَّرْع، لما سمعوا قولَ اللَّهَ عَزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأعراب‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 120‏]‏، أهمَّهم ذلك، فنفروا إِلى النبيِّ صلى الله عليه وسلم؛ خشية أنْ يكونُوا عُصَاةً في التخلُّف عن الغَزْوِ، فنزلَتْ هذه الآية في نَفْرِهِمْ ذلك‏.‏

وقالتْ فرقة‏:‏ سَبَبُ هذه الآية أن المنافقين، لما نزلَتِ الآيات في المتخلِّفين، قالوا‏:‏ هَلَكَ أَهْلُ البوادِي، فنزلَتْ هذه الآية مقيمةً لعُذْرِ أهل البوادي‏.‏

قال * ع *‏:‏ فيجيء قوله‏:‏ ‏{‏مَا كَانَ لأَهْلِ المدينة وَمَنْ حَوْلَهُم مِّنَ الأعراب‏}‏‏:‏ عمومٌ في اللفظ، والمراد به في المَعنَى الجمهورُ والأكْثَرُ، وتجيءُ هذه الآية مبيِّنة لذلك‏.‏

وقالتْ فرقةٌ‏:‏ هذه الآية ناسِخَةٌ لكُلِّ ما ورد من إِلزام الكافَّة النَّفير والقِتَال، وقال ابنُ عبَّاس ما معناه‏:‏ أَنَّ هذه الآية مختصَّة بالبعوثِ والسَّرايا والآية المتقدِّمة ثابتةُ الحُكْم مع خروجِ رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم في الغَزْو، وقَالَتْ فرقةٌ‏:‏ يشبه أنْ يكون التفقُّه في الغَزْو وفي السرايا، لِمَا يَرَوْنَ من نُصْرَةِ اللَّه لدينِهِ، وإِظهارِهِ العَدَد القليلَ من المؤمنين على الكثير من الكافرين، وعِلْمِهم بذلك صحَّة دِينِ الإِسلام ومكانَتِهِ‏.‏

* ع *‏:‏ والجمهور على أن التفقُّه إِنما هو بمشاهدة رسُولِ اللَّه صلى الله عليه وسلم وصُحْبَته، وقيل غير هذا‏.‏

* ت * وَصحَّ عنه صلى الله عليه وسلم، أنه قَالَ‏:‏ ‏"‏ لاَ هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحَ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا استنفرتم فانفزوا ‏"‏، وقد استنفر رسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم الناس في غزوة تَبُوكَ، وأعلن بها حَسَبَ ما هو مصرَّح به في حديث كَعْب بن مالِكٍ في «الصِّحَاح»، فكان العَتَبُ متوجِّهاً على مَنْ تأخَّر عنه بعد العِلْمِ، فيظهر واللَّه أعلم، أنَّ الآية الأولَى باقٍ حكمها؛ كما قال ابن عباس، وتكون الثانية ليستْ في معنى الغَزْو، بل في شأن التفقُّه في الدِّين على الإِطلاق وهذا هو الذي يُفْهَمُ من استدلالهم بالآية علَى فَضْلِ العلْم، وقد قالت فرقة‏:‏ إِن هذه الآية لَيْسَتْ في معنى الغَزْو، وإِنما سببها قبائلٌ مِنَ العرب أصابتهم مجاعةٌ، فنفزوا إلى المدينة لِمَعْنَى المعاشِ، فكادوا يُفْسِدونها، وكان أكثرهم غَيْرَ صحيحِ الإِيمانِ، وإِنما أَضْرَعَه الجُوع، فنزلَتِ الآية في ذلك، والإِنذارُ في الآية عامٌّ للكفر والمعاصي، والحذرِ منها أيضاً؛ كذلك قال ابن المبارك في «رقائقه» أخبرنا موسَى بْنُ عُبَيْدَة، عن محمد بن كَعْب القُرَظِيِّ، قال‏:‏ إِذا أراد اللَّه تبارك وتعالَى بِعَبْدٍ خيراً، جعل فيه ثلاثَ خصالٍ‏:‏ فقْهاً في الدِّينِ، وزَهَادةً في الدنيا، وبَصَّرَهُ بعيوبه‏.‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏123- 127‏]‏

‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ ‏(‏123‏)‏ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آَمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ ‏(‏124‏)‏ وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ ‏(‏125‏)‏ أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ ‏(‏126‏)‏ وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ ‏(‏127‏)‏‏}‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏ياأيها الذين آمَنُواْ قَاتِلُواْ الذين يَلُونَكُمْ مِّنَ الكفار‏}‏ قيل‏:‏ إِنَّ هذه الآية نزَلَتْ قبل الأمر بقتال الكُفَّار كافَّة، فهي من التدريجِ الذي كان في أوَّل الإِسلام‏.‏

قال * ع *‏:‏ وهذا ضعيفٌ فإِن هذه السورة من آخر ما نَزَلَ‏.‏

وقالتْ فرقة‏:‏ معنى الآية أنَّ اللَّه تبارك وتعالى أمر فيها المؤمنين أنْ يقاتل كُلُّ فريقٍ منهم الجنْسَ الذي يليه من الكَفَرة‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلْيَجِدُواْ فِيكُمْ غِلْظَةً‏}‏‏:‏ أي‏:‏ خشونةً وبأساً، ثم وعَدَ سبحانه في آخر الآية وحَضَّ على التقوَى التي هي مِلاَكُ الدِّينِ والدنيا، وبها يُلْقَى العَدُوُّ، وقد قال بعضُ الصحابة‏:‏ إِنما تُقَاتِلُونَ النَّاس بأَعمالكم، وَوَعَد سبحانه أنه مع المتَّقِينَ، وَمَنْ كان اللَّه مَعِهُ، فَلَنْ يُغْلَبَ‏.‏

وقوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إيمانا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه الآية نزلَتْ في شأن المنافقين، وقولهم‏:‏ ‏{‏أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إيمانا‏}‏ يحتمل أنْ يكون لمنافقينَ مِثْلِهِمْ، أو لقومٍ من قراباتهم؛ علَى جهة الاستخفاف والتحقير لشأن السُّورة، ثم ابتدأ عزَّ وجلَّ الردَّ عليهم بقوله‏:‏ ‏{‏فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً‏}‏ وذلك أنه إذا نزلَتْ سورةٌ، حَدَثَ للمؤمنين بها تصديقٌ خاصٌّ، لم يكنْ قبلُ، فتصديقهم بما تضمَّنته السورةُ مِنْ أخبار وأمرٍ ونَهْيٍ أمرٌ زائد على الذي كان عِنْدهم قبلُ، وهذا وجْهٌ من زيادة الإِيمان‏.‏

ووجه آخر؛ أنَّ السورة ربَّما تضمَّنت دليلاً أو تنبيهاً على دليل، فيكون المؤمن قد عَرَفَ اللَّه بعدَّة أدلَّة، فإِذا نزلت السورةُ، زادَتْ في أدلَّته، وَوَجْهٌ آخر من وجوه الزيادة أنَّ الإِنسان ربَّما عرضه شكٌ يسيرٌ، أو لاحَتْ له شبهة مشغِّبة، فإِذا نزلَتِ السورة، ارتَفَعَتْ تلك الشبهة، وقَوِيَ إِيمانه وارتقى اعتقاده عن معارَضَة الشبهاتِ، ‏{‏الذين فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ‏}‏‏:‏ هم المنافقون، و«الرجْسُ»؛ في اللغة‏:‏ يجيء بمعنى القَذَرِ، ويجيء بمعنى العذاب، وحالُ هؤلاء المنافقين هي قَذَرٌ، وهي عذابٌ عاجلٌ، كفيلٌ بآجِلٍ، وإِذا تَجدَّد كفْرُهم بسورةٍ، فقد زاد كُفْرهم، فذلك زيادةُ رجْسٍ إِلى رِجْسهم‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏أَوَلاَ يَرَوْنَ‏}‏ يعني‏:‏ المنافقين، وقرأ حَمزة‏:‏ «أَوَلاَ تَرَوْنَ»- بالتاء من فوق-؛ على معنى‏:‏ أولا تَرَوْنَ أيُّها المؤمنون؛ ‏{‏أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ‏}‏، أي‏:‏ يُخْتَبرُونَ، وقرأ مجاهدٌ‏:‏ «مَرْضَةً أَوْ مَرْضَتَيْنِ»، والذي يظهر مما قبل الآية، ومما بعدها أَنَّ الفتنة والاختبار إِنما هي بكَشْفِ اللَّه أَسرارهم وإِفشائه عقائدهم؛ إِذ يعلمون أنَّ ذلك مِنْ عند اللَّه، وبهذا تقومُ الحُجَّة عليهم، وأما الاختبار بالمَرَضِ فهو في المؤمنين‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ‏}‏‏:‏ المعنى‏:‏ وإِذا ما أنزلَتْ سورةٌ فيها فضيحةُ أسرار المنافقين، ‏{‏نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُم مِّنْ أَحَدٍ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ هلْ معكم مَنْ يَنْقُلُ عَنْكم، هَلْ يراكم من أحدٍ حين تدبِّرون أموركم، ‏{‏ثُمَّ انصرفوا‏}‏ عَنْ طريق الاهتداء؛ وذلك أنهم وقْتَ كشْف أسرارهم والإِعلام بمغيِّبات أمورهم، يقع لهم لا مَحَالة تَعَجُّب وتوقُّف ونَظَر، فلو أريد بهم خَيْرٌ، لكان ذلك الوَقْتُ مَظِنَّةَ الاهتداء، وقد تقدَّم بيانُ قوله‏:‏ ‏{‏صَرَفَ الله قُلُوبَهُم‏}‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏128- 129‏]‏

‏{‏لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ ‏(‏128‏)‏ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ‏(‏129‏)‏‏}‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية مخاطبةٌ للعرب في قول الجمهور، وهذا على جهة تعديدِ النعمة عَلَيْهِمْ؛ إِذْ جاءَهم بلسانِهِمْ، وبما يفهمونه منَ الأَغراض والفصاحةِ، وشُرِّفوا به غَابِرَ الدهْرِ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مِّنْ أَنفُسِكُمْ‏}‏‏:‏ يقتضي مدْحاً لنسبه صلى الله عليه وسلم، وأنه من صميمِ العَرَبِ، وشَرَفِها، وقرأ عبد اللَّه بن قُسَيْطٍ المَكِّيُّ‏:‏ «مِنْ أَنْفَسِكُمْ»- بفتح الفاء-؛ من النَّفَاسة، ورويتْ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، وقوله‏:‏ ‏{‏مَا عَنِتُّمْ‏}‏‏:‏ معناه عَنَتُكُمْ؛ ف «ما» مصدريةٌ، والعَنَت‏:‏ المشقَّة، وهي هنا لفظةٌ عامَّة، أي‏:‏ عزيز عليه مَا شَقَّ عليكم‏:‏ مِنْ قتلٍ وإِسارٍ وامتحان؛ بحسب الحَقِّ واعتقادكم أيضاً معه، ‏{‏حَرِيصٌ َلَيْكُم‏}‏ أي‏:‏ علَى إيمانكم وهداكم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بالمؤمنين رَءُوفٌ‏}‏ أي‏:‏ مبالغٌ في الشفقة عليهم، قال أبو عُبَيْدة‏:‏ الرَّأْفَة أرقُّ الرحمة‏.‏

ثم خاطَبَ بحانه نبيَّه بقوله‏:‏ ‏{‏فَإِن تَوَلَّوْاْ‏}‏، أي‏:‏ أعرضوا، ‏{‏فَقُلْ حَسْبِيَ الله لا إله إِلاَّ هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ العرش العظيم‏}‏‏:‏ هذه الآية من آخر مَا نَزَلَ، وصلى اللَّه علَى سَيِّدنا ومولانا محمَّد وعلَى آله وصَحْبه وسَلَّم تسليماً كثيراً، ولا حول ولا قوة إلاَّ باللَّه العلي العظيم‏.‏

سورة يونس

تفسير الآيات رقم ‏[‏1- 2‏]‏

‏{‏الر تِلْكَ آَيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ ‏(‏1‏)‏ أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ وَبَشِّرِ الَّذِينَ آَمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ قَالَ الْكَافِرُونَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ مُبِينٌ ‏(‏2‏)‏‏}‏

قولُه عزَّ وجلَّ‏:‏ ‏{‏الر تِلْكَ آيَاتُ الكتاب الحكيم‏}‏ المراد ب ‏{‏الكتاب‏}‏‏:‏ القُرآن، و‏{‏الحكيم‏}‏‏:‏ بمعنى مُحْكَم، ويمكن أنْ يكون‏:‏ «حكيم» بمعنى ذِي حِكْمة، فهو على النَّسب‏.‏

وقوله عز وجل‏:‏ ‏{‏أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال ابن عباس وغيره‏:‏ سبب هذه الآية استبعاد قُرَيْش أَنْ يبعث اللَّه بشراً رسولاً، والقَدَمُ هنا مَا قُدِّم، واختلف في المراد بها هاهنا، فقال ابنُ عبَّاس ومجاهد والضحاك وغيرهم‏:‏ هي الأعمال الصَّالحات من العبادات‏.‏ وقال الحسن بن أبي الحسن وقتادة‏:‏ هي شَفَاعة محمَّد صلى الله عليه وسلم، وقال ابن عباس أيضاً وغيره‏:‏ هي السعادةُ السَّابقة لهم في اللَّوْح المحفوظ، وهذا أليق الأقْوَالِ بالآية؛ ومن هذه اللفظة قَوْلُ حَسَّان رضي اللَّه عنه‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

لَنَا القَدَمُ العُلْيَا إِلَيْكَ وَخَلْفَنَا *** لأَوَّلِنَا في طَاعَةِ اللَّهِ تَابعُ

ومن هذه اللفظة قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «حَتَّى يَضَعَ الجَبَّارُ فِيهَا قَدَمَهُ» أيْ ما قَدَّمَ لها، هذا على أن الجبَّار اسم اللَّه تعالى، و«الصِّدْق» هنا بمعنى الصَّلاح، وقال البخاريُّ‏:‏ قال زَيْدُ بن أسْلَمَ‏:‏ ‏{‏قَدَمَ صِدْقٍ‏}‏ مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم‏.‏ انتهى‏.‏

وقولهم‏:‏ ‏{‏إِنَّ هذا لساحر مُّبِينٌ‏}‏‏:‏ إِنما هو بسبب أَنَّه فَرَّق بذلك كلمتهم، وحَالَ بين القريب وقريبه؛ فأشبه ذلك ما يفعله السَّاحر في ظَنِّهم القاصِرِ؛ فَسَمَّوْه سحراً‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏3- 4‏]‏

‏{‏إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ‏(‏3‏)‏ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ ‏(‏4‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ رَبَّكُمُ الله الذي خَلَقَ السموات والأرض فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذا ابتداء دعاءٍ إِلَى عبادة اللَّه عزَّ وجلَّ وتوحيدِهِ، وذَكَرَ بعضُ الناس أَنَّ الحكمة في خَلْقِ اللَّه تعالَى هذه الأشياءَ في مُدَّة محدودةٍ ممتدَّة، وفي القُدْرة أنْ يقول لها‏:‏ كُنْ؛ فَتَكُون، إِنما هي لِيُعَلِّمَ عباده التُّؤَدة والتماهُلَ في الأمور، قال * ع *‏:‏ وهذا مما لا يُوصَلُ إِلى تعليله، وعلى هذا هي الأجْنَةُ في البُطُون، وخَلْقُ الثمار، وغير ذلك، واللَّه عزَّ وجلَّ قد جَعَلَ لكلِّ شيء قَدْراً، وهو أعلم بوجْهِ الحكْمَةِ في ذلك‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏يُدَبِّرُ الأمر‏}‏ يصحُّ أن يريد بالأمر اسم الجنْس من الأمور، ويصحُّ أن يريد الأمر الذي هو مصْدَر أَمر يأْمُرُ، وتدبيره لا إله إلا هو إِنما هو الإِنفاذ؛ لأنه قد أحاط بكلِّ شيء عِلْماً، قال مجاهدٌ‏:‏ ‏{‏يُدَبِّرُ الأمر‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ يَقْضيه وحْده‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ‏}‏؛ ردٌّ على العرب في اعتقادها؛ أن الأصنام تشفع لها عند اللَّه‏.‏

‏{‏ذلكم الله‏}‏ أي‏:‏ الذي هذه صفاتُهُ فاعبدوه، ثم قَرَّرهم على هذه الآيات والعبر، فقال‏:‏ ‏{‏أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ‏}‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الاية إِنباءٌ بالبعث‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏يَبْدَأُ الخلق‏}‏ يريد‏:‏ النشأة الأولى، والإِعادةُ‏:‏ هي البَعْثُ من القبور‏.‏

‏{‏لِيَجْزِيَ‏}‏‏:‏ هي لام كَيْ، والمعنى‏:‏ أنَّ الإِعادة إِنما هي ليقع الجزاءُ على الأعمال‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏بالقسط‏}‏‏:‏ أي‏:‏ بالعدل‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏الذين كَفَرُواْ‏}‏‏:‏ ابتداء، والحَمِيمُ الحارُّ المسخَّن، وحميمُ النار فيما ذُكِرَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إِذَا أَدْنَاهُ الكَافِرُ مِنْ فِيهِ، تَسَاقَطَتْ فَرْوَةُ رَأْسِهِ» وهو كما وصفه سبحانه‏:‏ ‏{‏يَشْوِي الوجوه‏}‏ ‏[‏الكهف‏:‏ 29‏]‏‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏5- 9‏]‏

‏{‏هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ‏(‏5‏)‏ إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ ‏(‏6‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آَيَاتِنَا غَافِلُونَ ‏(‏7‏)‏ أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ ‏(‏8‏)‏ إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ‏(‏9‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏هُوَ الذي جَعَلَ الشمس ضِيَاءً والقمر نُوراً‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذا استمرارٌ على وَصْف آياته سبحانه، والتنْبيه على صنعته الدَّالة علَى وحدانيته، وعظيم قُدْرته‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏قَدَّرَهُ مَنَازِلَ‏}‏‏:‏ يحتمل أنْ يعود الضمير على «القمر» وحده؛ لأنه المراعَى في معرفة عَدَدِ السِّنينَ والحِسَابِ عنْد العرب، ويحتمل أنْ يريدَ الشَّمْسَ والقَمَرَ معاً، لكنه اجتزأ بذكْر أَحدهما؛ كما قال‏:‏ ‏{‏والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 62‏]‏‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لِتَعْلَمُواْ عَدَدَ السنين والحساب‏}‏ أيْ‏:‏ رفقاً بكم، ورَفعاً للالتباس في معايشِكُم وغير ذلك مما يُضْطَرُّ فيه إلى معرفة التواريخ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ‏}‏‏:‏ إِنما خصهم، لأن نَفْعَ هذا فيهم ظَهَرَ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ فِي اختلاف اليل والنهار وَمَا خَلَقَ الله فِي السموات والأرض‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ آية اعتبار وتنبيهٍ، والآياتُ‏:‏ العلامات، وخصَّص القوم المتَّقين؛ تشريفاً لهم؛ إِذ الاعتبار فيهم يقع، ونسبتهم إِلَى هذه الأشياء المَنْظُور فيها أَفْضَلُ مِنْ نسبة مَنْ لم يَهْتَدِ ولا اتقى‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ قال أبو عُبَيْدة وغيره‏:‏ ‏{‏يَرْجُونَ‏}‏، في هذه الآية‏:‏ بمعنى يخافُون؛ واحتجوا ببَيْتِ أَبي ذُؤَيْبٍ‏:‏ ‏[‏الطويل‏]‏

إِذَا لَسَعَتْهُ النَّحْلُ لَمْ يَرْجُ لَسْعَهَا *** وَحَالَفَهَا فِي بَيْتِ نُوبٍ عَوَامِلِ

وقال ابن سِيدَه والفرّاء‏:‏ لفظة الرَّجاءِ، إِذا جاءَتْ منفيَّةً، فإِنها تكونُ بمعنى الخَوْفِ، فعَلَى هذا التأويل معنى الآية‏:‏ إِنَّ الذين لا يخافون لقاءنا، وقال بعض أهل العلم‏:‏ الرجاءُ، في هذه الآية‏:‏ على بابه؛ وذلك أن الكافر المكذِّب بالبعث لا يُحْسِنُ ظَنًّا بأنه يَلْقَى اللَّه، ولا له في الآخرة أمَلٌ؛ إِذ لو كان له فيها أَمَلٌ؛ لقارنه لا محالة خَوْفٌ، وهذه الحالُ من الخَوْفِ المقارِنِ هي القائِدَةُ إِلى النجاة‏.‏

قال * ع *‏:‏ والذي أقُولُ به‏:‏ إنَّ الرجاء في كلِّ موضع هو علَى بابه، وأنَّ بيت الهُذَلِيِّ معناه‏:‏ لَمْ يَرْجُ فَقَدْ لَسْعِهَا، قال ابن زَيْد‏:‏ هذه الآية في الكُفَّار‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَرَضُواْ بالحياة الدنيا‏}‏‏:‏ يريد‏:‏ كَانَتْ مُنتَهى غرضهم، وقال قتادة في تفسير هذه الآية‏:‏ إِذا شئْتَ رأَيْت هذا الموصُوفَ صاحِبَ دنيا، لها يغضبُ، ولها يرضَى، ولها يفرح، ولها يهتَمُّ ويحزن، فكأَنَّ قتادةَ صَوَّرها في العصاةِ، ولا يترتب ذلك إِلا مع تأوُّل الرَّجَاءِ على بابه؛ لأن المؤمِنَ العاصِيَ مستَوْحِشٌ من آخرته، فأما على التأويلِ الأول، فمن لا يخافُ اللَّه، فهو كَافِرٌ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏واطمأنوا بِهَا‏}‏‏:‏ تكميلٌ في معنى القناعةِ بها، والرفْضِ لغيرها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏والذين هُمْ عَنْ آياتنا غافلون‏}‏‏:‏ يحتمل أنْ يكون ابتداء إِشارةٍ إِلى فرقةٍ أُخرَى، ثم عقَّب سبحانه بذكْر الفرقة الناجيَةِ، فقال‏:‏ ‏{‏إِنَّ الذين آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات يَهْدِيهِمْ رَبُّهُم‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، الهدايةُ في هذه الآية تحتملُ وجْهين‏:‏

أحدهما‏:‏ أن يريد أنَّه يديمهم ويثبِّتهم‏.‏

الثَّانِي‏:‏ أنْ يريد أنه يرشدُهم إِلى طريق الجِنانِ في الآخرة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏إيمانهم‏}‏ يحتملُ أَنْ يريد‏:‏ بسبب إِيمانهم، ويحتمل أن يكونَ الإِيمانُ هو نَفْس الهُدَى، أيْ، يهديهم إِلى طريق الجنة بنور إِيمانهم‏.‏ قال مجاهد‏:‏ يكون لهم إِيمانُهم نوراً يمشُونَ به، ويتركَّب هذا التأويل، على ما رُوِيَ عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏ أَنَّ العَبْدَ المُؤْمِنَ، إِذَا قَامَ مِنْ قَبْرِهِ لِلْحَشْرِ تَمَثَّلَ لَهُ رَجُلٌ جَمِيلُ الوَجْهِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ، فَيَقُولُ‏:‏ مَنْ أَنْتَ‏؟‏ فَيَقُولُ‏:‏ أَنَا عَمَلُكَ الصَّالِحُ فَيَقُودُهُ إِلَى الجَنَّةِ، وبعَكْسِ هذا في الكَافِرِ ‏"‏، ونحو هذا مما أسنده الطبري وغيره‏.‏

تفسير الآية رقم ‏[‏10‏]‏

‏{‏دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآَخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ ‏(‏10‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏دعواهم‏}‏‏:‏ أي‏:‏ دعاؤهم فيها و‏{‏سبحانك اللهم‏}‏‏:‏ تَقْدِيسٌ وتسبيحٌ وتنزيهٌ لجلاله سبحانه عن كلِّ ما لا يليق به، وقال علي بن أبي طالب في ذلك‏:‏ هي كلماتٌ رَضِيَهَا اللَّه تعالى لنفْسه، وقال طلحة بن عبيد اللَّه‏:‏ ‏"‏ قُلْتُ‏:‏ يَا رَسُولَ اللَّه؛ مَا مَعْنَى سُبْحَانَ اللَّهِ‏؟‏ فَقَالَ‏:‏ مَعْنَاهَا‏:‏ «تَنْزِيهاً للَّهِ مِنَ السُّوءِ» ‏"‏، وَحُكِيَ عن بعض المفسِّرين أَنهم رَوَوْا أَنَّ هذه الكلمةَ إِنَّما يقولها المؤمنُ عِنْدَ ما يشتهي الطَّعَام، فإِنه إِذا رأَى طائِراً أَو غير ذلك، قال‏:‏ ‏{‏سبحانك اللهم‏}‏، فنزلتْ تلك الإِرادة بَيْنَ يديه فَوْقَ ما اشتهى‏.‏ رواه ابنُ جُرَيْج وسفيانُ بن عُيَيْنة، وعبارة الداووديِّ عن ابنِ جُرَيْج‏:‏ «دَعْواهُمْ فيها»‏:‏ قال‏:‏ إِذا مَرَّ بهم الطائرُ يَشْتَهُونه، كان دعواهم به ‏{‏سبحانك اللهم‏}‏، فيأكلون منه ما يَشْتَهُونَ، ثم يطيرُ، وإِذا جاءتهم الملائكةُ بما يَشْتَهُونَ، سَلَّمُوا عَلَيْهم، فذلك قولُهُ‏:‏ ‏{‏وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ‏}‏، وإِذا أَكلوا حاجتهم، قالوا‏:‏ ‏{‏الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين‏}‏، فذلك قوله‏:‏ ‏{‏وَآخِرُ دعواهم أَنِ الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين‏}‏‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ‏}‏‏:‏ يريدُ تسليمَ بعضهم على بعض، والتحيَّة‏:‏ مأخوذة مِنْ تَمَنِّي الحياةِ للإِنسان والدُّعاءِ بها، يقالُ‏:‏ حَيَّاهُ ويُحيِّيه؛ ومنه قَوْلُ زُهَيْرِ بن جنَابٍ‏:‏ ‏[‏الكامل‏]‏

مِنْ كُلِّ مَا نَالَ الفَتَى *** قَدْ نِلْتُهُ إِلاَّ التَّحِيَّهْ

يريد‏:‏ دعاء الناس للمُلُوكِ بالحياةِ، وقال بعضُ العلماء‏:‏ ‏{‏وَتَحِيَّتُهُمْ‏}‏ يريد‏:‏ تسليم اللَّه تعالَى عليهم، والسَّلام‏:‏ مأخوذً من السَّلامة، ‏{‏وَآخِرُ دعواهم‏}‏‏:‏ أي‏:‏ خاتمةُ دعائهِم وكلامِهِمْ في كلِّ موطِنٍ حَمْدُ اللَّه وشُكْرُهُ، عَلَى ما أسبغ عليهم من نعمه، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه»‏.‏ في تفسير هذه الآية قولان‏:‏

الأول‏:‏ أَنَّ المَلَكَ يأتيهم بما يشتهون، فيقول‏:‏ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، أي‏:‏ سَلِمْتُم، فَيَرُدُّون عليه، فإِذا أكلوا، قالوا‏:‏ ‏{‏الحمد لِلَّهِ رَبِّ العالمين‏}‏‏.‏

الثاني‏:‏ أنَّ معنى «تَحِيَّتُهُمْ»‏:‏ أي‏:‏ تحيَّة بعضهم بعضاً، فقد ثبت في الخبر‏:‏ «أن اللَّه تعالى خلق آدَمَ، ثم قَالَ لَهُ‏:‏ اذْهَبْ إِلى أُولَئِكَ النَّفَر مِنَ المَلاَئِكَةِ فَسَلِّمْ عَلَيْهِمْ، فَجَاءَهُمْ، فَقَالَ لَهُمْ‏:‏ سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ، فَقَالُوا لَهُ‏:‏ وَعَلَيْكَ السَّلاَمُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ‏:‏ هَذِهِ تَحِيَّتُكَ، وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتَكَ مِنْ بَعْدِكَ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ»، وبَيَّنَ في القرآن هاهنا أنها تحيتهم في الجنَّة، فهي تحيَّة موضوعةٌ من أول الخلقة إلى غير نهاية، وقد رَوَى ابنُ القاسِمُ، عن مالكٍ في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ‏}‏ أي‏:‏ هذا السَّلام الذي بين أظهركم، وهذا أظهر الأقوال، واللَّه أعلم‏.‏ انتهى‏.‏

وقرأ الجمهور‏:‏ «أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ»، وهي عند سَيْبَوَيْهِ «أن» المخفَّفَةُ من الثقيلة؛ قال أبو الفتح‏:‏ فهي بمنزلة قول الأعْشَى‏:‏ ‏[‏البسيط‏]‏

فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الهِنْدِ قَدْ عَلِمُوا *** أَنْ هَالِكٌ كُلُّ مَنْ يَحْفَى وَيَنْتَعِلُ

تفسير الآيات رقم ‏[‏11- 14‏]‏

‏{‏وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ ‏(‏11‏)‏ وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ ‏(‏12‏)‏ وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ‏(‏13‏)‏ ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ‏(‏14‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَوْ يُعَجِّلُ الله لِلنَّاسِ الشر استعجالهم بالخير لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه الآيةُ نزلَت، في دعاء الرَّجُل على نَفْسه أو ولده، أو ماله، فأخبر سبحانه أنَّه لو فعل مع النَّاس في إِجابته إِلى المَكْروه مثْلَ ما يريدُ فعله معهم في إِجابته إِلى الخَيْر، لأهلكهم، وحُذِفَ بعد ذلك جملة يتضمَّنها الظاهرُ، تقديرها‏:‏ فلا يفعلْ ذلك، ولكنْ يَذَرُ ‏{‏الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، وقيل‏:‏ إِن هذه الآية نزلَتْ في قولهم‏:‏ ‏{‏إِن كَانَ هذا هُوَ الحق مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السماء‏}‏ ‏[‏الأنفال‏:‏ 32‏]‏، وقيل‏:‏ نَزَلَتْ في قولهم‏:‏ ‏{‏فأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا‏}‏ ‏[‏هود‏:‏ 32‏]‏، وما جرى مجراه، والعَمَهُ‏:‏ الخبط في ضلال‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذَا مَسَّ الإنسان الضر دَعَانَا لِجَنبِهِ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه الآية أيضاً عتاب على سوء الخُلُقِ من بعض الناس، ومضمَّنه النهْيُ عن مثل هذا، والأَمرُ بالتسليم إِلى اللَّه والضَّراعة إِليه في كلِّ حال، والعلْمُ بأنَّ الخير والشر منه، لا رَبَّ غيره، وقوله‏:‏ ‏{‏لِجَنبِهِ‏}‏، في موضع الحال؛ كأنه قال‏:‏ مُضْطَجِعاً، والضُّرُّ عامٌ لجميع الأمراض والرزايا‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مَرَّ‏}‏ يقتضي أن نزولها في الكفَّار، ثم هي بعد تتناوَلُ كلَّ من دَخَلَ تحْتَ معناها مِنْ كافرٍ وعاصٍ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا القرون مِن قَبْلِكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ آيةُ وعيدٍ للكفَّار، وضرْبِ أمثالٍ لهم، و‏{‏خلائف‏}‏‏:‏ جمع خليفة‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏لِنَنظُرَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ لنبيِّن في الوجود ما عَلِمْناه أزلاً، لكنْ جرى القول على طريق الإِيجاز والفصاحةِ والمجازِ، وقال عمر رضي اللَّه عنه‏:‏ إِنَّ اللَّه تعالَى إِنما جَعَلَنَا خلفاءَ؛ لينظر كَيْفَ عَمَلُنَا؛ فَأَرُوا اللَّه حُسْنَ أَعمالكم في السر والعلانية‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏15- 18‏]‏

‏{‏وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آَيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآَنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ‏(‏15‏)‏ قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ ‏(‏16‏)‏ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآَيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ ‏(‏17‏)‏ وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ ‏(‏18‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذَا تتلى عَلَيْهِمْ آياتنا بَيِّنَاتٍ قَالَ الذين لاَ يَرْجُونَ لِقَاءَنَا‏}‏ يعني‏:‏ بعْضَ كفار قريش‏:‏ ‏{‏ائت بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ‏}‏، ثم أمر سبحانه نبيه أَنْ يردَّ عليهم بالحق الواضح، فقال‏:‏ ‏{‏قُل لَّوْ شَاءَ الله مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ‏}‏ ولا أعلمكم به، و‏{‏أدراكم‏}‏ بمعنى‏:‏ أعلمكم، تقول‏:‏ دَرَيْتُ بالأَمْرِ، وأَدْرَيْتُ بِهِ غيري، ثم قال‏:‏ ‏{‏فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِّن قَبْلِهِ‏}‏ يعني‏:‏ الأربعين سنةً قبل بعثته عليه السلام، أي‏:‏ فلم تجرِّبوني في كَذِبٍ، ولا تكلَّمتُ في شيءٍ مِنْ هذا ‏{‏أَفَلاَ تَعْقِلُونَ‏}‏؛ أنَّ من كان على هذه الصفة لا يصحُّ منه كذب بعد أَنْ ولَّى عمره، وتقاصَرَ أملُهُ، واشتدَّت حِنْكَته وخوفُه لربِّه‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَمَنْ أَظْلَمُ‏}‏‏:‏ استفهام وتقريرٌ، أي‏:‏ لا أحد أظلم ممَّن افترى على اللَّه كذباً، أو ممَّن كذَّب بآياته؛ بَعْد بيانها، والضمير في ‏{‏يَعْبُدُونَ‏}‏ لكفَّار قريش، وقولهم‏:‏ ‏{‏هَؤُلاءِ شفعاؤنا عِندَ الله‏}‏‏:‏ هذا قول النبلاء منهم، ثم أمر سبحانه نبيَّه أن يقرِّرهم ويوبِّخهم بقوله‏:‏ ‏{‏أَتُنَبِّئُونَ الله بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السموات وَلاَ فِي الأرض‏}‏، وذكر السموات؛ لأن من العرب من يعبد الملائكَةَ والشِّعْرَى، وبحسب هذا حَسُنَ أن يقول‏:‏ ‏{‏هَؤُلاءِ شفعاؤنا‏}‏، وقيل‏:‏ ذلك على تجوُّز في الأصنام التي لا تَعْقِلُ‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏19- 21‏]‏

‏{‏وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ ‏(‏19‏)‏ وَيَقُولُونَ لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آَيَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَقُلْ إِنَّمَا الْغَيْبُ لِلَّهِ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ‏(‏20‏)‏ وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ إِذَا لَهُمْ مَكْرٌ فِي آَيَاتِنَا قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ‏(‏21‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَمَا كَانَ الناس إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فاختلفوا‏}‏ قالت فرقة‏:‏ المراد آدم كان أُمة وحده، ثم اختلف الناس بعده، وقالت فرقة‏:‏ المراد آدم وبنوه مِنْ لدن نزوله إلى قتل أحد ابنيه الآخَرَ، ويحتمل أن يريد‏:‏ كان الناس صِنْفاً واحداً بالفِطْرة معدًّا للاهتداء، وقد تقدَّم الكلام علَى هذا في قوله سبحانه‏:‏ ‏{‏كَانَ الناس أُمَّةً واحدة‏}‏ ‏[‏البقرة‏:‏ 213‏]‏‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلَوْلاَ كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ‏}‏ يريد‏:‏ قضاءه وتقديره لبني آدم بالآجال المؤقَّتة، ويحتمل أنْ يريد‏:‏ الكَلِمَةَ في أمر القيامة، وأنَّ العقابَ والثوابَ إِنما يكونُ حينئذٍ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَقُلْ إِنَّمَا الغيب لِلَّهِ‏}‏ أي‏:‏ إِنْ شاء فَعَلَ، وإِن شاء لَمْ يَفْعَلْ‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فانتظروا‏}‏‏:‏ وعيدٌ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَإِذَا أَذَقْنَا الناس رَحْمَةً مِّن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ هذه الآية في الكفَّار، وهي بعْدُ تتناول من العُصَاةِ مَنْ لا يؤدي شكر اللَّه عند زوال المَكْروه عنه، ولا يرتدعُ بذلك عن معاصيه، وذلك في الناس كثيرٌ، والرحمة هنا بعد الضرَّاء؛ كالمطر بعد القَحْط، والأمن بعد الخَوْف ونحو هذا ممَّا لا ينحصر، والمَكْر‏:‏ الاستهزاء والطَّعْن عليها مِن الكُفَّار واطراح الشكر والخوف من العصاة‏.‏

وقال أبو عليٍّ‏:‏ ‏{‏أَسْرَعُ‏}‏ من «سَرُعَ» لا من «أَسْرَعَ يُسْرِعُ»، إِذ لو كان من «أَسْرَعَ»، لكان شاذًّا‏.‏

قال * ع * وفي الحديث في نار جهنم‏:‏ «لَهِيَ أَسْوَدُ مِنَ القَارِ» وما حفظ للنبيِّ صلى الله عليه وسلم، فليس بشَاذٍ‏.‏ * ص *‏:‏ وَرُدَّ بأَنْ «أَسْوَدُ» مِنْ «فَعِلَ» لا من «افعل»‏:‏ تقولُ‏:‏ سَوِدَ فَهُوَ أَسْوَدُ، وإِنما امتنع من «سَوِدَ» ونحوِه عِنْد البَصْرِيِّين؛ لأنه لَوْنٌ‏.‏ انتهى‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏22- 25‏]‏

‏{‏هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ ‏(‏22‏)‏ فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ‏(‏23‏)‏ إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ‏(‏24‏)‏ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ ‏(‏25‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ فِي البر والبحر‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ تعديدُ نِعَمٍ منه سبحانه على عباده‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏دَعَوُاْ الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين‏}‏‏:‏ أي‏:‏ نسوا الأصنام والشركاء، وأفردوا الدعاء للَّه سبحانه، وذكَر الطبريُّ في ذلك، عَنْ بعض العلماء حكايةَ قَوْلِ العَجَمِ‏:‏ «هيا شرا هيا»، ومعناه‏:‏ يا حَيُّ يَا قَيُّومُ»، و‏{‏يَبْغُونَ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ يُفسدون‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏مَّتَاعَ الحياة الدنيا‏}‏ متاع‏:‏ خبر مبتدأ محذوفٍ، تقديره هو متاع، أو ذلك مَتَاعٌ، ومعنى الآية‏:‏ إِنما بغيكم وإِفسادكم مُضِرٌّ لكم، وهو في حالة الدنيا، ثم تَلْقَوْنَ عقابه في الآخرة، قال سفيان بن عُيَيْنة‏:‏ إِنما بغيكم علَى أنفسِكُمْ متاع الحياة الدنيا‏:‏ أي تُعَجَّلُ لكم عقوبته؛ وعلى هذا قالوا‏:‏ البَغْيُ يَصْرَعُ أهله‏.‏

قال * ع *‏:‏ وقالوا‏:‏ البَاغِي مصروعٌ‏:‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ الله‏}‏ ‏[‏الحج‏:‏ 60‏]‏، وقال النبيُّ عليه السلام‏:‏ ‏"‏ ما ذَنْبٌ أَسْرَعُ عُقُوبَةً مِنْ بَغْيٍ ‏"‏‏.‏ وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏إِنَّمَا مَثَلُ الحياة الدنيا‏}‏ أي‏:‏ تفاخُرُ الحياة الدنيا وزينَتُها بالمَالِ والبَنِينَ، إِذ مصيرُ ذلك إِلى الفَناءِ؛ كمطرٍ نَزَلَ من السماءِ، ‏{‏فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض‏}‏، أي‏:‏ اختلط النباتُ بعْضُهُ ببعض بسَبَبِ الماء، ولفظ البخاريِّ‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ ‏{‏فاختلط بِهِ نَبَاتُ الأرض‏}‏‏:‏ فنبت بالماء مِنْ كلِّ لونٍ انتهى‏.‏ و‏{‏أَخَذَتِ الأرض‏}‏ لَفْظَةٌ كثُرت في مثل هذا، كقوله‏:‏ ‏{‏خُذُواْ زِينَتَكُمْ‏}‏ ‏[‏الأعراف‏:‏ 31‏]‏ والزُّخْرُف‏:‏ التزيينُ بالألوان، وقرأ ابن مسعود وغيره‏:‏ «وتَزَيَّنَتْ» وهذه أصل قراءة الجمهور‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَظَنَّ أَهْلُهَا‏}‏‏:‏ على بابها، وهذا الكلامُ فيه تشبيهُ جملة أمْرِ الحياة الدنيا بهذه الجُمْلَةَ الموصُوفَة أحوالُهَا، و‏{‏حتى‏}‏ غايةٌ، وهي حرفُ ابتداء؛ لدخولها على «إِذا»، ومعناهما متَّصِلٌ إِلى قوله‏:‏ ‏{‏قَادِرُونَ عَلَيْهَا‏}‏، ومن بعد ذلك بدأ الجوابُ، والأمْرُ الآتي‏:‏ واحدُ الأمور؛ كالرِّيحِ، والصِّرِّ والسَّمُومِ، ونحوِ ذلك، وتقسيمُهُ ‏{‏لَيْلاً أَوْ نَهَارًا‏}‏، تنبيهٌ على الخَوْف وارتفاع الأمْنِ في كلِّ وقت، و‏{‏حَصِيداً‏}‏، بمعنى محصوداً، أي‏:‏ تالفاً مستهلكاً، ‏{‏كَأَن لَّمْ تَغْنَ‏}‏‏:‏ أي‏:‏ لم تنضر، ولم تنعم، ولم تعمر بغَضَارتها، ومعنى الآية‏:‏ التحذير من الاغترار بالدنيا؛ إِذ هي معرَّضة للتلف؛ كنبات هذه الأرض وخَصَّ المتفكِّرين بالذكْر؛ تشريفاً للمنزلة؛ وليقَعَ التسابُقُ إِلى هذه الرتبة‏.‏

‏{‏والله يَدْعُواْ إِلَى دَارِ السلام‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ نصٌّ أن الدعاء إِلى الشرْع عامٌّ في كل بَشَرٍ، والهداية التي هي الإِرشادُ مختصَّةٌ بمَنْ قدِّر إِيمانه، و‏{‏السلام‏}‏؛ هنا‏:‏ قيل‏:‏ هو اسم من أسماء اللَّه تعالى، والمعنَى‏:‏ يدعو إِلى داره التي هي الجنَّة، وقيل‏:‏ ‏{‏السلام‏}‏ بمعنى السَّلامة‏.‏

تفسير الآيات رقم ‏[‏26- 31‏]‏

‏{‏لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏26‏)‏ وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ‏(‏27‏)‏ وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ ‏(‏28‏)‏ فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ ‏(‏29‏)‏ هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ ‏(‏30‏)‏ قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ‏(‏31‏)‏‏}‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ‏}‏‏:‏ قال الجمهور‏:‏ ‏{‏الحسنى‏}‏‏:‏ الجنةُ، وال ‏{‏زِيَادَةٌ‏}‏‏:‏ النَّظَر إِلَى وجهِ اللَّه عزَّ وجلَّ؛ وفي «صحيح مسلمٍ» من حديثِ صُهَيْبٍ‏:‏ ‏"‏ فَيَكْشِفُ الحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئاً أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ ‏"‏، وفي رواية‏:‏ ثُمَّ تَلاَ هَذِهِ الآيَةِ‏:‏ ‏{‏لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الحسنى وَزِيَادَةٌ‏}‏ وأخرج هذه الزيادةَ النَّسَائِيُّ عن صُهَيْبٍ، وأَخْرَجَهَا عن صُهَيْبٍ أَيضاً أَبو دَاوُدَ الطَّيَالِسي انتهى‏.‏ من «التذكرة»‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏وَلاَ يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلاَ ذِلَّةٌ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏.‏ و‏{‏يَرْهَقُ‏}‏ معناه‏:‏ يَغْشَى مع غلبةٍ وتضييقٍ، وال ‏{‏قَتَرٌ‏}‏‏:‏ الغُبَار المُسْوَدُّ‏.‏

وقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏والذين كَسَبُواْ السيئات جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا‏}‏ قالت فِرْقَةٌ‏:‏ التقديرُ لهم جزاءُ سيئةٍ بمثلها، وقالت فرقة‏:‏ التقديرِ جزاءُ سيِّئة مثلها، والباء زائدةٌ، وتعم السيئاتُ هاهنا الكُفْرَ والمعاصِيَ، وال ‏{‏عَاصِمٍ‏}‏‏:‏ المنجِّي والمُجير، و‏{‏أُغْشِيَتْ‏}‏‏:‏ كُسَيَتْ، و«القَطْع»‏:‏ جمع قِطْعة، وقرأ ابن كثيرٍ والكِسَائِيُّ‏:‏ «قَطْعاً مِنَ اللَّيْلِ»- بسكون الطاء-، وهو الجُزْء من الليل، والمراد‏:‏ الجُزْء من سواده، وباقي الآية بيِّن‏.‏

و ‏{‏مَكَانَكُمْ‏}‏‏:‏ اسم فعلِ الأَمْرِ، ومعناه‏:‏ قِفُوا واسكنوا، * ت *‏:‏ قال * ص *‏:‏ وقدِّر ب «اثبتوا» وأما من قدَّره ب «الزموا مكانَكُمْ»، فمردودٌ، لأن «الزموا» متعدٍّ، و‏{‏مَكَانَكُمْ‏}‏‏:‏ لا يتعدَّى، فلا يقدَّر به، وإلا لكان متعدياً، واسم الفعل عَلَى حَسَب الفعلِ إِنْ متعدياً فمتعدٍّ، وإِنْ لازماً فلازِمٌ، ثم اعتذر بأنه يمكن أن يكون تقديره ب «الزموا» تقديرَ معنًى، لا تقديرَ إِعرابٍ، فلا اعتراض، انتهى‏.‏

قال * ع *‏:‏ فأخبر سبحانَهُ عن حالةٍ تكُونُ لعبدة الأوثانِ يوم القيامة يُؤْمَرُوْنَ بالإِقامة في موقف الخِزْيِ مع أصنامهم، ثم يُنْطِقُ اللَّه شركاءهم بالتبريِّ منهم‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ‏}‏‏:‏ معناه‏:‏ فرَّقنا في الحُجَّةِ، والمذهب روي عن النبيِّ صلى الله عليه وسلم، أَنَّ الكُفَّار، إِذَا رَأَوا العَذَابَ، وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ، قِيلَ لَهُمُ‏:‏ اتَّبِعُوا مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ‏:‏ كُنَّا نَعْبُدُ هَؤُلاَءِ، فَتَقُولُ الأَصْنَامُ‏:‏ وَاللَّهِ، مَا كُنَّا نَسْمَعُ، وَلاَ نَعْقِلُ، وَمَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تعْبُدُونَ، فَيَقُولُونَ‏:‏ واللَّهِ، لإِيَّاكُمْ كُنَّا نَعْبُد، فَتَقُولُ الآلِهَةُ‏:‏ ‏{‏فكفى بالله شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية، وظاهر الآية أنَّ محاورتهم إِنما هي مَعَ الأصنام دون المَلاَئِكَةِ وَعِيسَى؛ بدليل القوْلِ لهم‏:‏ ‏{‏مَكَانَكُمْ أَنتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ‏}‏، ودون فِرْعَونَ ومَنْ عُبِدَ من الجنِّ؛ بدليل قولهم‏:‏ ‏{‏إِن كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لغافلين‏}‏، و«إنْ» هذه عند سيبَوَيْه المخَفَّفَةُ من الثقيلة موجبَةٌ، ولزمتها اللام، فرقاً بينها وبين «إِنِ» النافيةِ، وعندَ الفَرَّاء‏:‏ «إِنْ» نافيةٌ بمعنَى «مَا»، واللامُ بمعنى «إِلاَّ»، وقرأ نافعٌ وغيره‏:‏ «تَبْلُوا»- بالباء الموحَّدة-؛ بمعنى‏:‏ تختبر، وقرأ حمزة والكسائي‏:‏ «تَتْلُوا»- بتاءين-؛ بمعنى تَتْبَعُ وتطلب ما أَسْلَفَتْ من أعمالها * ت *‏:‏ قال * ص *‏:‏ كقوله‏:‏ ‏[‏الرجز‏]‏

إِنَّ المُرِيبَ يَتْبَعُ المُرِيبَا *** كَمَا رَأَيْتَ الذِّيَبِ يَتْلُو الذِّيَبَا

أي‏:‏ يتبعه‏.‏ انتهى‏.‏ ويصحُّ أَن يكون بمعنى تَقْرَأُ كُتُبَهَا التي تُدْفَع إِليها‏.‏

وقوله‏:‏ ‏{‏وَمَن يُدَبِّرُ الأمر‏.‏‏.‏‏.‏‏}‏ الآية‏:‏ تدبيرُ الأمْرِ عامٌّ في جميع الأشياءِ، وذلك استقامة الأمور كلِّها على إِرادته عزَّ وجلَّ، وليس تدبيره سبحانه بفكْرٍ ورويَّةٍ وتغييراتٍ- تعالَى عن ذلك- بل علمه سبحانه محيطٌ كاملٌ دائمٌ‏.‏

‏{‏فَسَيَقُولُونَ الله‏}‏‏:‏ أي‏:‏ لا مَنْدُوحَةَ لهم عن ذلك، ولا تُمْكِنهم المباهَتَةُ بسواه، فإِذا أقرُّوا بذلك، ‏{‏فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ‏}‏ في افترائكم، وجَعْلِكم الأصنام آلهة‏.‏